سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٢٠ - الباب الخامس و العشرون في الجلساء و آدابهم
و قال الأصمعي: تناظر رجلان، و أعرابيّ حاضر، فقال لأحدهما: مناظرة مثلك في الدين فرض، و الاستماع منك أدب. و مجالستك زين، و معرفتك عز، و مذاكرتك تلقيح للعقول و شحذ، و إخاؤك شرف و فخر.
و قال السمسماني[١]: غنّى مخارق[٢] بين يدي المأمون:
|
و إنّي لمشتاق إلى ظلّ صاحب |
يروق و يصفوا إن كدرت عليه |
|
|
عذيري من الإنسان لا إن جفوته |
صفا لي، و لا إن صرت طوع يديه |
|
فطرب المأمون و قال: ويحك يا مخارق، خذ مني نصف الخلافة و أعطني هذا الإنسان.
و قالت الحكماء: النظر في عواقب الأمور، تلقيح العقول.
و قالوا: العاقل لا تنقطع صداقته، و الأحمق لا تدوم مودّته، فاتّخذ من نصحاء أصحابك مرآة لطبائعك و فعائلك، كما تتخذ لوجهك المرآة المجلوّة، فإنك إلى صلاح طبائعك أحوج منك إلى تحسين صورتك.
و قال المأمون للحسن بن سهل[٣]: نظرت في اللّذات فوجدتها كلها مملولة خلا سبعة، قال: و ما السبع يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة، و لحم الغنم، و الماء البارد، و الثوب الناعم، و الرائحة الطيبة، و الفراش الوطيء، و النظر إلى الحسن من كل شيء. قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال؟ قال: صدقت، و هي أولاهن.
و قال هشام بن عبد الملك[٤]: قد قضيت الوطر من كل شيء، فأكلت الحلو و الحامض حتى لا أجد لواحد منهما طعما، و شممت الطيب حتى لا أجد له رائحة، و أتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم جدار حائط، فما وجدت شيئا ألذ من جليس يسقط بيني و بينه مئونة التحفّظ.
[١] - السمسماني: أبو الحسن علي بن عبيد اللّه، اللغوي المعروف بالسمسماني، تصدر للرواية و إقراء الأدب في بغداد، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه و قال: كتبت عنه و كان صدوقا توفي سنة ٤١٥ ه،( تاريخ بغداد ١٢/ ١٠).
[٢] - مخارق: أبو المهنا بن يحيى الجزار، إمام عصره في فن الغناء، أعجب به الرشيد و قربه، و اتصل بالمأمون، توفي سنة ٢٣١ ه،( الأعلام ٧/ ١٩١).( و الأبيات المذكورة لأبي العتاهية و قد وردت في ديوانه ص ٤٦٤).
[٣] - الحسن بن سهل: الحسن بن سهل بن عبد اللّه السرخسي، وزير المأمون، و أحد كبار القادة و الولاة في عصره، اشتهر بالفصاحة و الأدب و حسن التوقيعات و هو والد( بوران) زوجة المأمون و كان المأمون يجله و يبالغ في إكرامه، و هو أخو الفضل بن سهل( ذو الرئاستين) توفي سنة ٢٣٦ ه.( الأعلام ٢/ ١٩٢).
[٤] - هشام بن عبد الملك: الخليفة الأموي العاشر، سبقت ترجمته.