سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٢١ - الباب الخامس و العشرون في الجلساء و آدابهم
و قال عبد الملك بن مروان[١]: قد قضيت الوطر من كل شيء، إلا من محادثة الأخوان في الليالي الزّهر على العلالي العفر[٢].
و قال عبد الملك: من قرّب السّفلة و أدناهم، و باعد ذوي العقل و أقصاهم، استحق الخذلان، و من منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده.
و من الكلام الشريف قول الحكماء: ما أحوج ذا القدرة إلى: دين يحجزه، و حياء يكفّه[٣]، و عقل يعدله، و إلى تجربة طويلة، و عبر محفوظة، و إلى أعراق[٤] تسري إليه، و أعلاق[٥] تسهّل الأمور عليه، و إلى جليس رفيق، و رائد شفيق، و إلى عين تنظر العواقب، و عقل يخاف الغير، و من لم يعرف يوم ظفر الأيام، لم يحترس من سطوات الدهر، و لم يتحفظ من فلتات الزلل، و لم يتعاظمه ذنب و إن عظم، و لا ثناء و إن سمج[٦]، و إذا رأيت من جليسك أمرا تكرهه، أو خصلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء[٧]، أو هفوة غبراء[٨]، فلا تقطع حبله، و لا تصرم ودّه، و لكن داو كلمه[٩]، و استر عورته، فأبقه و ابرأ من عمله،
قال اللّه تعالى فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٦] فلم يأمر بقطعهم و إنما بالبراءة من عملهم السوء.
قال الشاعر[١٠]:
|
إذا راب منّي مفصل فقطعته |
بقيت و ما بي للنّهوض مفاصل |
|
|
و لكن أداويه فإن صحّ سرّني |
و إن هو أعيا كان فيه تحامل |
|
[١] - عبد الملك بن مروان: الخليفة الأموي الخامس، سبقت ترجمته.
[٢] - الليالي الزهر: الصافية. و العلالي العفر: الأماكن البعيدة.
[٣] - يحجزه: يكفه: يمنعه من ارتكاب المآثم.
[٤] - أعراق: جمع عرق و هو مجرى الدم من الجسد.
[٥] - أعلاق: نفائس أو صداقات.
[٦] - سمج: قبح.
[٧] - الكلمة العوراء: القبيحة الساقطة.
[٨] - الهفوة الغبراء: الزلة أو السقطة الذاهبة.
[٩] - داو كلمة: أي داو جرحه.
[١٠] - الشاعر هو محمد بن أبان الكاتب يكنى بأبي جعفر أديب حسن البلاغة كان يكتب لنصر ابن منصور بن بسام ثم اتهم بالزندقة فحبس في بغداد ثم أطلق، و من شعره هذه الأبيات، و أوّلها:
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
و أعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالًا و ابتهاجاً و قال لى |
برفقٍ مجيباً( ما سألتَ يَهُونُ) |
|