سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٣ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
و قال بعض الحكماء: قد جمع اللّه تعالى آداب الحرب فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٥، ٤٦].
و استوصى قوم أكثم بن صيفى[١] فى حرب أرادوها، فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، و اعلموا: أن كثرة الصياح فشل، و لا جماعة لمن اختلف، و تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين[٢].
و قال عتبة بن ربيعة[٣] يوم بدر لأصحابه: أ لا ترون أصحاب محمد جثيّا على الرّكب كأنهم خرس[٤]، يتلمّظون تلمّظ الحيّات[٥].
و رأيت غير واحد ممن ألف فى الحروب، يكره رفع الصوت بالتكبير و يقولون: يذكر اللّه فى نفسه.
و أعلم أرشدك اللّه تعالى: أن اللّه تعالى قد أوضح لنا فى كتابه علّة النصر و علّة الهزيمة و الفرار فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد: ٧] يعنى أن تنصروا رسوله و دينه.
و اما الفرار: فعلّته المعاصى، قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [آل عمران: ١٥٥]، أى بشؤم ذنوبهم و تركهم المركز الذى رسمه لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.
و ذلك أنه صلى اللّه عليه و سلم رتّب الرماة يوم أحد على ثلمة الجبل، ليمنعوا قريشا أن يخرجوا عليهم كمينا من ذلك الموضع، ثم التقى المسلمون فانهزم الكفار،
[١] - أكثم بن صيفى: حكيم العرب فى الجاهلية. سبقت ترجمته. و معنى استوصوه: أي طلبوا وصيّته و رأيه.
[٢] - الركين: الثابت.
[٣] - عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أبو الوليد كبير قريش و أحد ساداتها فى الجاهلية، كان موصوفا بالرأى و الحلم، قيل أنه توسّط للصلح فى حرب الفجار بين هوازن و كنانة أدرك الإسلام و طغى حارب المسلمين فى بدر فقتل فيها هو و ابنه الوليد و أخوه شيبة.( الأعلام ٤/ ٢٠٠).
[٤] - الخرس و الخرسان من بهم خرس أى انعقد لسانهم فلا يسمع لهم صوت.
[٥] - تلمظت الحية: أى أخرجت لسانها و لمظ الرجل لمظا: أى أخرج لسانه بعد الأكل أو الشرب فمسح به شفتيه، و المقصود أنهم يتحفّزون للانقضاض.