سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٤ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
فقال الرماة: لا تفوتنا الغنائم. فأقبلوا على الغنائم و تركوا المركز الأول، فخرجت خيل المشركين من هناك، و اقبلوا على المسلمين، فكانت مقتلة أحد[١].
و ليخف قائد الجيش العلامة التى هو مشهور بها، فإن عدوّه قد يستعلم حيلته، و ألوان خيله و رايته، و لا يلزم خيمته ليلا و نهارا و ليبدّل زيّه و يغير خيمته، و يعمّى مكانه كى لا يلتمس عدوّه غرّته.
و إذا سكنت الحرب، فلا يمش فى النفر اليسير من قومه خارج عسكره، فإن عيون عدوه قد انكبّت عليه.
و على هذا الوجه، كسر المسلمون جيوش إفريقية عند فتحها، و ذلك أن الحرب سكنت فى وسط النهار، فخرج مقدّم العدو يمشى خارج العسكر، يتميز عساكر المسلمين، فجاء الخبر إلى عبد الله بن أبى السرح[٢] و هو نائم فى قبّته، فخرج فيمن وثق به من رجاله، و حمل على العدو، فقتل الملك، و كان الفتح.
و لما عبر طارق[٣] مولى موسى بن نصير[٤]- إلى بلاد الأندلس ليفتحها، و موسى إذ ذاك بإفريقية، خرجوا فى الجزيرة الخضراء، و تحصّنوا فى الجبل
[١] - قصة النّفر هؤلاء صحيحة رواها البخارى عن البراء عن عازب فى المغازى و فى تفسير سورة آل عمران و فى الجهاد و رواها أبو داود فى الجهاد باب فى الكمناء رقم( ٢٦٦٢).
[٢] - عبد الله بن سعد بن أبى السرح القرشى، فاتح إفريقية من أبطال الصحابة، أسلم قبل فتح مكة و هو من أهلها، و كان من كتاب الوحى و كان على ميمنة عمرو بن العاص حين فتح مصر و ولى مصر سنة ٢٥ ه بعد عمرو لمدة ١٢ سنة زحف خلالها إلى إفريقية بجيش فيه الحسن و الحسين أبناء علي رضي الله عنهم أجمعين ففتح ما بين طرابلس و طنجة كما غزا الروم بحرا و انتصر فى معركة« ذات الصوارى» سنة ٣٤ ه و أخباره كثيرة جدا، مات بعسقلان فجأة و هو قائم يصلى سنة ٣٧ ه( الأعلام ٤/ ٨٨).
[٣] - طارق بن زياد، فاتح الأندلس أصله من البربر و قد أسلم على يد موسى بن نصير فكان من أشد رجاله و لما تم لموسى فتح طنجة ولاه عليها ثم جهز جيشا لفتح الأندلس و ولى عليه طارق بن زياد فاجتاز المضيق و استولى على الجبل الذى سمي باسمه و فتح قرطاجنة و كان قد احرق السفن، حتى لا يفكر أحد فى الفرار، و أخباره كثيرة منها أن موسى عاقبة بالعزل لتوغله فى الفتوح و أن الوليد بن عبد الملك أصلح ما بينه و بين موسى و عاد للفتوحات و قد مات سنة ١٠٢ ه( الأعلام ٣/ ٢١٧).
[٤] - موسى بن نصير بن عبد الرحمن اللخمى، أصله من الحجاز( وادى القرى) كان أبوه على حرس معاوية فنشأ فى دمشق و ولى غزو البحر لمعاوية فغزا قبرص و بنى فيها حصونا، و كان على خراج البصرة فى عهد الحجاج، و فى عهد الوليد بن عبد الملك تولى إفريقية الشمالية و ما وراءها فأقام فى القيروان و منها وجه الجيوش لفتح المغرب و الأندلس، و قد كان شجاعا عاقلا كريما لم يهزم له جيش قط، و قد رجع للشام ثم حج مع سليمان بن عبد الملك و توفى فى المدينة سنة ٩٧ ه( سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٩٦).