الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٩٠ - باب الكبر يكون عن العجب و تفسير الكبر بالعلم
المسلم»[١]. لأن الحقرية لهم أخرجته إلى هذا كله و إلى غيره مما يطول ذكره.
فإذا نظر إليهم بالاستصغار، و خاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه، و رجا لنفسه أكثر مما يرجو لهم، و ينظرون إليه بالتعظيم و إلى أنفسهم بالاستصغار و خافوا على أنفسهم أكثر مما يخافون عليه، بل يظنون أنه ناج و أنهم هالكون، و رجوا له أكثر مما يرجون لهم، كانوا هم أعبد للّه عز و جل و أطوع فيه منه فيهم، فقد تعرض للمقت من اللّه عز و جل و حبط الأجر فى الآخرة، و استحق أن يسلبه اللّه عز و جل ما تكبّر به عليهم من العمل، و قد تعرضوا هم للرحمة من اللّه عز و جل، بتواضعهم، و حبهم له، و استصغار أنفسهم، و تعظيمهم له، لأنه يأنف من مجالستهم و الكينونة معهم، و هم يتقربون إلى اللّه بقربه و الدنو منه، و لولا حب اللّه عز و جل و تعظيمه ما أحبّوه، و لا عظموه، فقد عظموه و أحبّوه لحب اللّه عز و جل، و رجاء القربة من اللّه عز و جل به.
فقد تعرضوا للرحمة و المغفرة، و أن ينقلهم اللّه عز و جل إلى مقامه فى العبادة و الاجتهاد، و قد تعرض هو لحبط عمله، و أن ينقله إلى شر الأحوال، إذ تكبّر بما منّ اللّه عز و جل عليه به من العمل، و حقر عباده، و أنف منهم، و اغتر باللّه عز و جل، و جعل الخوف منه عليهم، و نسى نفسه أن يكون عليها أخوف و أشفق، فلا يؤمن ذلك عليه، كما روى عن الشعبى، و روى أيضا عن الجلد[٢] ابن أيوب: أن رجلا من بنى إسرائيل كان يقال له: خليع بنى إسرائيل، فمر
[١] - جزء من حديث أبى هريرة، و لفظه« بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» أخرجه مسلم فى البر و الصلة ٤/ ١٩٨٦( ٢٥٦٤/ ٣٢)، و أبو داود فى الأدب ٤/ ٢٧٠( ٤٨٨٢)، و الترمذى فى البر و الصلة ٦/ ٥٤( ١٩٩٢)، و ابن ماجة فى الزهد ٢/ ١٤٠٩( ٤٢١٣).
[٢] - فى الأصل:« عن أبى الجلد» و هو خطأ، و الصواب: عن الجلد، و هو ابن أيوب، البصرى، و هو ضعيف متروك الحديث- ذكره الذهبى فى ميزان الاعتدال ١/ ٤٢٠( ١٥٤٧)، و فى المغنى فى الضعفاء ١/ ١٣٥( ١١٧٥).