الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٨٨ - باب الكبر يكون عن العجب و تفسير الكبر بالعلم
و تزداد الحلوة حلاوة و يكثر ماؤها بالحلاوة، و يكثر ماء المرة بالمرارة.
فكذلك العلم، تحفظه الرجال، فتحوله على قدر هممها و أهوائها، فيزيد المتكبر كبرا، لأن من كانت همته الكبر فهو جاهل، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبّر به فازداد كبرا.
و إذا كان الرجل جاهلا و هو يخاف من اللّه عز و جل، و يعلم أن حجة اللّه تعالى له لازمة و إن كان جاهلا، فإذا حفظ العلم و فهمه ازداد خوفا و وجعا، كما قال معاذ: من ازداد علما ازداد وجعا. فإذا ازداد وجعا لعظم الحجة عليه لما علّمه اللّه عز و جل، ازداد ذلّا و تواضعا، و إشفاقا و خوفا. و إذا كانت همته و هواه الدنيا و التعظيم، ازداد بالعلم كبرا و أنفا و حقرية لمن دونه، و ردّا على من مثله و من فوقه، كبرا و أنفا و حبّا للغلبة.
قلت: فما يعترض للعامل سواء أكان عالما أو لم يكن عالما؟
قال: يحقر من دونه ممن لا يعمل مثل عمله، سواء أكان أعلم منه أو أجهل منه:
إن كان أجهل منه قال فى نفسه: مضيّع جاهل، و إن كان أعلم منه قال فى نفسه: الحجة عليه عظيمة، و هو مضيع للعمل.
و يحقر من دونه فى العمل، و ينظر إليهم بالازدراء، أو يتعظم عليهم و ينقبض عنهم، ليبدؤوه بالسلام و لا يبدأهم، و يبروه و لا يبرهم، و يزورونه و لا يزورهم، و يعودونه و لا يعودهم، يريد أن يأخذ بفضله عليهم، و ينتهرهم، و يستخدم من خالط منهم و يسخّرهم، و يأنف إن وعظوه، لأنه فوقهم فى العمل، و هم مضيعون مفرطون، فإن بدأ أحدا منهم بالسلام، أو ردّ عليه، أو