الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٧٣ - باب في محاسبة النفس في مستقبل الأعمال
فهذا في مستدبر الأعمال.
و كذلك أهل الدنيا في صناعاتهم و أعمالهم: إذا أراد أحدهم أن يبتدئ العمل روّاه في نفسه و قدّره و مثّله في وهمه؛ و صوّره في العاقبة: كيف يكون إذا فرغ منه؟ فإذا تمثّل في وهمه على ما يريد من الإحكام و التمام ابتدأ فيه، حتى إذا فرغ منه اعترضه خشية أن يكون كان منه زلل أو نسيان فأخطأ فيه و فرّط في إحكامه، فإن رأى تفريطا أتم ما بقى منه و أصلح ما فسد منه.
فعمال اللّه عزّ و جل أولى بذلك، أن يتثبتوا قبل أعمالهم، و يمثلوها في أوهامهم: كيف تكون بعد فراغهم منها، فلا فراغ لهم من جميعها إلا عند موتهم.
و كذلك روى عن الحسن أنه قال: ما جعل اللّه عزّ و جلّ لعمل المؤمن أجلا دون الموت، ثم قرأ: وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[١] يعني الموت[٢].
و قيل لعمر بن عبد العزيز: لو تفرغت لنا! فقال: ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند اللّه عزّ و جلّ.
و كذلك المستأجرون من أهل الدنيا: إنما فراغهم من أعمالهم إذا أتمّوها، و إنما يحكمونها و يستعرضونها بعد فراغهم منها قبل أن يعرضوها على من استأجرهم، لتكون على ما أراد و أحب، و كذلك عمال اللّه جلّ و عزّ يتثبتون في أول أعمالهم، و يعترضونها بعد فراغهم منها: كيف تكون إذا عرضت على خالقهم؟ هل هي كما يرضى بها عنهم؟ و هل أتمّوها كما أمرهم؟
فشتان بينهما: هذا مخلوق استأجر مخلوقا بقليل فان مكدر ممزوج بالغموم،
[١] - الحجر: ٩٩.
[٢] - تفسير الحسن اليقين في الآية بالموت، أخرجه ابن المبارك في الزهد( ١٩).