الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٧٤ - باب في محاسبة النفس في مستقبل الأعمال
و لا يخلو- إن ناله- من همّ يعترض، أو حزن يعترى، أو مصيبة فاجعة، أو سقم نازل، أو موت فاجئ، و فيه الحساب حتى يتتبع عليهم جميع ما عملوا و اكتسبوا، فيحاسبون عليه.
و الذي عمل له الصادقون ملك عظيم وعدهم على أعمالهم الأجر الكبير، الباقي الذي لا ينفد، و لا يعترض فيه غمّ، و لا يعتري فيه حزن، و لا يحل بالعمال فيه سقم، و لا يختم عيشهم بالموت، و لا يتتبع عليهم فيه بالحساب.
فعجب! كيف خفّ على العمال للدنيا التثبت قبل أعمالهم؟ و النظر في أعمالهم بعد الفراغ منها للقليل اليسير المنغص المكدّر بالأحزان و الأسقام! ثم يختم فراغهم بالموت! ثم يتتبع اللّه عليهم ذلك بالحساب من بعد الموت، في يوم الشدائد و الأهوال! و يسألون عن أعمالهم: كيف كان اكتسابهم و إنفاقهم و إمساكهم؟ و كيف كانت طاعتهم فيها لربهم جل و علا؟.
و عجب! كيف لا يخفّ على المؤمن التثبّت قبل فعله؟ و النظر فيه بعد فراغه منه للثواب العظيم، و النعيم السليم، و العيش المقيم، و رضى الملك الكريم، من غير أن ينقصوا من أرزاقهم، و لا آجالهم؛ و لا يفوتهم ما قدّر لهم.
فعجب لذلك، ثم عجب لولا متابعة الهوى، و نسيان نظر الملك الأعلى، و قلّة التفكر في يوم الفصل و الجزاء.
فبالتحذير من ذلك اليوم، ختم اللّه عز و جل كتابه فيما يروى عن البراء بن عازب أنه قال: آخر آية نزلت من كتاب اللّه عزّ و جلّ:
وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ[١].
[١] - البقرة: ٢٨١، و قد وهم المصنف رحمه اللّه في عزوه هذا الحديث للبراء بن عازب، و إنما هو من-- حديث ابن عباس، أخرجه النسائي في التفسير ١/ ٢٩٠( ٧٧، ٧٨) بإسناد صحيح، و أخرجه الطبري ٣/ ٧٦، و الطبراني في الكبير ١١/ ٣٧١( ١٢٠٤٠)، و ١٢/ ٢٣( ١٢٣٥٧) و قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٢٤:« و رجال أحدهما ثقات».
- و أخرج البخاري عنه في التفسير ٨/ ٢٠٥( ٤٥٤٤) قال:« آخر آية نزلت على النبي صلّى اللّه عليه و سلم آية الربا».
و أما حديث البراء فلفظه« آخر سورة نزلت كاملة براءة، و آخر سورة نزلت خاتمة سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ[ النساء: ١٧٦] أخرجه البخاري في المغازي ٨/ ٨٢( ٤٣٦٤) و في التفسير ٨/ ٢٦٧( ٤٦٠٥) و ٨/ ٣١٦( ٤٦٥٤) و في الفرائض ١٢/ ٢٦( ٦٧٤٤)، و مسلم في الفرائض ٣/ ١٢٣٦، ١٢٣٧( ١٦١٨)، و أبو داود في الفرائض ٣/ ١٢٠( ٢٨٨٨)، و الترمذي في التفسير ٨/ ٤٠٥( ٥٠٣٢)، و النسائي في التفسير ١/ ٤١٨( ١٥٣)، ٤٢٥( ١٥٦)، و أحمد ٤/ ٢٩٨، و الطبري ٦/ ٢٨، ٢٩، و ابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٥٤٠( ١٠٢٦٢) و( ١٠٢٦٧) و البيهقي في السنن ٦/ ٢٢٤ و في الدلائل ٧/ ١٣٦، و غيرهم.
و جمع ابن حجر في الفتح بين الحديثين بأن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداهما، و قال:« و يحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا، بخلاف آية البقرة، و يحتمل عكسه ...».