الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٧٠ - باب في محاسبة النفس في مستقبل الأعمال
فهذه المحاسبة في مستقبل الأعمال، و هي: النظر بالتثبت قبل الزلل، ليبصر ما يضره مما ينفعه، فيترك ما يضره على علم، و يعمل بما ينفعه على علم، فمن اتقى العجلة و تثبت قبل فعله، و استدل بالعلم؛ أبصر ما يضره مما ينفعه قبل العمل بهما.
و المحاسبة الثانية في مستدبر الأعمال- و هو فعل ماض- نطق بها الكتاب و السنة و قالت بها علماء الأمة:
فأما الكتاب فقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ[١].
قال قتادة و ابن جريج: ما قدمت لغد: ليوم القيامة. و لم يقل في هذا الموضع ما تقدم، و كذا فسره العلماء: إنما هو النظر لما مضى، ليتوبوا من ذنوبهم التي مضت فيما مضى من أعمالهم.
و قال جل و علا: وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[٢].
فأمرهم جل و علا أن يستدبروا أعمالهم التي مضت، بالندم على ذنوبهم، و التوبة إلى ربهم.
و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «إني لأستغفر اللّه و أتوب إليه في اليوم مائة مرة»[٣].
[١] - الحشر: ١٨.
[٢] - النور: ٣١.
[٣] - الحديث عن الأغر المزني، و أوله:« إنه ليغان على قلبي ...» أخرجه مسلم في الذكر و الدعاء ٤/ ٢٠٧٥( ٢٧٠٢)، و أبو داود في الوتر ٢/ ٨٤( ١٥١٥)، و أحمد ٤/ ٢١١، ٢٦٠، و ابن المبارك في الزهد( ١١٤٠).