الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨٨ - باب الغرة بالعبادة و العمل
فكيف لها بأن تعرف غرّتها، و تنفيها و تجانبها بعد معرفتها؟ و النفى بعد المعرفة على هذا أيسر، إذ عرفت غرّتها، لأنها قد تحملت من المكروه ما هو أشدّ من النفى.
قال: لا تفعل، فإن مجانبة الهوى مع العمل اليسير أعظم و أشدّ على النفس من تحمل المكروه و الشدائد فى الأعمال الكثيرة إذا كان معها الهوى.
قلت: فبيّن لى غرتها، فإنها على حال نفى الغرّة عليها أسهل.
قال: أجل، لأنها أسخى المغترّين أنفسا بالأعمال، و أشدّهم تحمّلا للمكروه فى ظاهر الطاعات.
فالذى تعرف به غرّتها أن ترجع إلى أنفسها، بدعائها إلى العزم على طلب التقوى، و تعريف النفس أنها أصل الطاعات، و لا تزكو الأعمال إلا بها، حتى إذا عرفتها ما هى فى السرّ و العلانية، امتحنت أنفسها عند دواعيها إلى كل خير و شر فى باطنها حتى تعلم: هل طهرت قلوبها من كل مكروه يكره اللّه عز و جل؟، و هل طهرت جوارحها من معاصى اللّه عز و جل؟، و ما الذى هو أولى بها أن تبدأ به فى الوجوب من الفروض عليها؟
فمن كان منها متقلّلا من الدنيا، من غذائها و لباسها، نظر: كيف صحة معاشه؟ فإن كان صحيحا طيبا نظر: هل ترك شيئا يجب عليه فضيّعه مع تقلّله؟
و كيف ضميره و حركات جوارحه فى ليله و نهاره؟
فإن رآه غير قائم بحق اللّه عزّ و جل فى ذلك أو فى عامته، علم أنه قد كان يرى أنه كان من الزاهدين، و هو عند اللّه عزّ و جل من الفاجرين، فإذا تفقّد نفسه علم أنه كان مضيعا للتقوى مع تزهّده، و أنه كان مخدوعا مغرورا.