الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨٩ - باب الغرة بالعبادة و العمل
ثم ينظر: ماذا كان يريد بتقلّله، و كيف كان ارتياح قلبه بعلم إخوانه و غيرهم بتقلله و بحمدهم حين يسمعه أو يبلغه عنهم؟ و هل كان قائما على قلبه بنفى ذلك خوفا من اللّه عز و جل.
فإن رأى قلبه أنه قد كان أغفل ذلك، علم أن الغرّة كانت عليه مستحكمة، قد علّق قلبه بأعلى الدرجات فيما يرى، و اشتغل عمّا هو أولى به منها، ثم لم يخلّصها أيضا، مع ما اشتغل بها عما هو أولى به منها، فحقّ اللّه عز و جل كان عنده مضيّعا، و عمله لا يأمن أن يكون عند اللّه عز و جل محبطا، و قد كان يرى أنه قد منّ عليه بالزهد أو ببغض الزهد، و لعل غذاءه الذى كان يتقلل منه حرام أو شبهة، قد كان أولى به تركه كلّه للورع، فهو آخذ للقليل الذى ينبغى له أن يتركه ورعا، و هو يرى أن يأخذ القوت، و يقدم الفضل زهدا فى الدنيا و رفضا لها.
فإذا تبين له ذلك زالت عنه بإذن اللّه عزّ و جل غرّته، و اهتم بالتقوى و إخلاص العمل لربه عزّ و جلّ.
و كيف لا تزول عنه غرّته بعد معرفته بنفسه، و قد كان يعدّها من قبل معرفتها أنه قد جاز أهل الورع[١]، و هو عنهم منقطع، لأنه لم يك يأتى عليه يوم من أيامه إلا و اللّه عزّ و جلّ مطّلع فيه على ما يكنّ فى صدره، مما كره مولاه و نهى عنه، من الرياء و غيره، و كذلك جوارحه، قلّ يوم إلا و قد يكون من بعضها ما يكره مولاه، فإن سلمت جوارحه لم يكد يسلم قلبه، فلا يقيم على الغرّة بعد هذه المعرفة عاقل عن ربّه عز و جل.
و أما المغتر بترك الأعمال و الخروج بغير زاد، فإن نظر بصحّة النظر لطلب
[١] - جاز أهل الورع: أى فاتهم و سبقهم و ارتفع عنهم.