الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٣٦ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
و لكن أخاف عليك أن تخدع بذكر النعمة، فتنظر إليه و أنت لا تكاد تشك أنك الناجى و هو الهالك، و إن جلس إليك أو قاربك فى موضع جانبته، تريد النزاهة و الغضب للّه عز و جل، و أنت مع ذلك معظم لنفسك، تأنف من مثله أن يقارب مثلك، و أنك خير منه، لا تذكر الخوف على نفسك، كأنك لا تشك أنه مغضوب عليه و أنك مرضىّ عنك، ناج لا محالة، فتجمع نزاهة الدين و كبرا، فتخدع باسم الغضب للّه عز و جل و النزاهة، فتتكبر و أنت لا تعلم.
ألا ترى إلى قول عون بن عبد اللّه، و وصف المؤمن فقال: «ليس دنوه خدعة و لا خلابة[١]، و لكن دنوه ليغنم[٢]، و لا نأيه[٣] عمّن نأى عنه كبرا، و لكن نزاهة منه ليسلم»[٤].
فاحذر العدوّ أن يزيّن لك البرّ ليلقيك فى الإثم، أو يمن اللّه عز و جل عليك بطاعته فيحسدك العدو عليها، فيزين لك إثما يخلط به الطاعة، فتكون حينئذ غير شاكر لما منّ به عليك من طاعته، فاحذر إذا ذكرت النعمة التى فضّلت بها عليه أن تجمع مع ذلك كبرا، فاذكر النعمة و أنت من العواقب مشفق و جل، و لنفسك بما خالفت مولاك مستصغر مبغض ماقت.
[١] - الخلابة: الخداع و الغش.
[٢] - يعنى يغنم ثواب اللّه و رضاه.
[٣] - النأى: الابتعاد و المجانبة.
[٤] - يعنى يسلم من الخطأ الذى يحدث بمجالسته و مقاربته، و الأثر أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤/ ٢٦٠ من وصية عون بن عبد اللّه لابنه، و قد قال رحمه اللّه:« بحسبك من الكبر أن تأخذ بفضلك على غيرك» أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٤٢٨( ١٦٨١٠)، و أبو نعيم فى الحلية ٤/ ٢٧٤.