الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٨٤ - باب الرجل يخرج في الحاجة أو يجالس بعض إخوانه ممن يدعي أخوتهم في الله عز و جل و هو يعلم أنه لا يسلم له دينه معهم
ألم تسمع إلى حديث أبى موسى، عن النبى صلّى اللّه عليه و سلم: «مثل صاحب السوء كمثل صاحب الكير» يعنى الحداد «إن لم يحرقك بشرره يعلق بك من ريحه»[١].
و كذلك هو كما قال: إن لم تعص اللّه عزّ و جلّ معه لم تعدم معه قسوة قلبك و لهوه و اشتغاله، فليس من كان لك هكذا بأخ، و لكن هو لك عدو، و هو أضرّ عليك فى دينك ممن تعادى.
و إنما الناس أربعة رجال: رجل لا تعرفه، أو تعرفه و لا تصاحبه، و رجل مبتدع، و رجل فاسق، و رجل عندك مستور و أنت له مصاحب.
فالمبتدع قلبك منه نافر، و الفاسق كذلك، و لو دعواك إلى الحقّ لم تمل نفسك إليهما: فكيف تخوض معهما فيما لا يعنيك، و من لا تصاحبه و لا تعرفه فلست تحادثه، فلا تؤانسه، فهؤلاء كلهم لا تغتش بهم؛ و لا يستريح قلبك إليهم، فتغفل بهم حتى تتكلم بما يكره ربك عزّ و جلّ.
و إنما يؤتى من الصاحب الذى هو شكلك و مثلك و أنيسك، فيستريح قلبك إليه، و يغفل معه حتى تعصى اللّه عزّ و جلّ، و أنت غافل لا تذكر اللّه عزّ و جلّ، أو تذكره و لا تبالى لغلبة الهوى فيه و فى محادثته، و هو من مكائد إبليس و حبائله، يخيلك به حتى يوقعك فى حبائله، لأنه شكلك و أنيسك و مثلك، و هو أرفق من الصياد الرفيق.
ألا ترى أن الصياد لا يحتال للغربان، فيصنع شباكا، ليصيدها به من
[١] - حديث أبى موسى فى الجليس الصالح و الجليس السوء، أخرجه البخارى فى البيوع ٤/ ٣٢٣( ٢١٠١)، و فى الذبائح ٩/ ٦٦٠( ٥٥٣٤)، و مسلم فى البر و الصلة ٤/ ٢٠٢٦( ٢٦٢٨/ ١٤٦)، و أحمد ٤/ ٤٠٤، ٤٠٥، ٤٠٨.