احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠ - قتل نفس واحدة بمنزلة قتل الناس جميعا
(--- قتل الجميع بمعنى أنّه لو قدر على ذلك لقتلهم.
وبعبارة أُخرى: أنّ الآية كناية عن كون الناس جميعاً ذوي حقيقة واحدة إنسانية متّحدة فيها، الواحد منهم والجميع فيها سواء، فمن قصد الإنسانية التي في الواحد منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجميع. مثلًا إذا وزّع الماء بين أواني كثيرة، فمن شرب من أحد الآنية فقد شرب الماء، وقد قصد الماء من حيث إنّه ماء- وما في جميع الآنية لا يزيد على الماء من حيث إنّه ماء- فكأنّه شرب الجميع.[١]
وإن شئت قلت: إنّ الداعي الذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني الناشئ عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم، فالذي كان من حيلته ترجيح ذلك الداعي على جملة هذه المعاني الشريفة، فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دوماً إلى هضم الحقوق، فكلّما سنحت له الفرصة قتل، ولو دعته أن يقتل الناس جميعاً لفعل.[٢]
ثمّ إنّ المفسّرين أجابوا عن الإشكال بأجوبة مختلفة، فقد أجاب الشيخ في «التبيان» بستة أجوبة، وفي «مجمع البيان» بخمسة، وفي «كنز العرفان» للفاضل المقداد بأربعة أجوبة، ولكن ما ذكرناه لعلّه أفضل ما يجاب به عن الإشكال.[٣]
[١]. الميزان: ٥/ ٣١٧، طبعة بيروت.
[٢]. التحرير والتنوير: ٥/ ٨٩- ٩٠.
[٣]. راجع: التبيان: ٣/ ٥٠٢؛ مجمع البيان: ٣/ ٣٢٢.