احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٦ - الأول مقتضى القواعد العامة
(--- وبعبارة أُخرى: المراد نفي التجاوز عن حدّ الجناية، فإذا قتل نفساً فلا يجوز لولي المجنيّ عليه أن يقتل نفسين أو أكثر، وإذا فقأ عيناً فليس له أن يفقأ أزيد من عين واحدة، فمصبّ الآية التأكيد على نفي التجاوز، وأين هذا من الإطلاق المدّعى؟!
الآية الثانية: قال سبحانه: «وَ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»[١]، ثم قال: «الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَ الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»[٢].
ترى أنّ الآيتين وردتا في أمر الجهاد مع المشركين، وكلّ منهما إرشاد إلى حكم العقل و هو رعاية العدل والإنصاف في مقام الاقتصاص وعدم التعدّي عنه، وأمّا كونهما ناظرتين إلى جناية مسلم على مسلم آخر- اجتمعت فيه جنايتان كبرى وصغرى، فيقتص من المعتدي بالصغرى أوّلًا ثم الكبرى، ليكون محقّقاً لقوله: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»- فغير ظاهر؛ لأنّ مورد الآية: المشركون أوّلًا، والمراد بالمماثلة هو كيفية القتل، فلو قتل مسلماً فيقتل القاتل و لا يمثّل به.
فالآية ناظرة إلى عدم العبث بجسد الجاني انتقاماً و تشفّياً، وأين هذا المدلول في الآية من أنّ من جنى جنايتين صغرى وكبرى فمات---)
[١]. البقرة: ١٩٠.
[٢]. البقرة: ١٩٤.