الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٢٩ - إخلاص الإيرانيين للإسلام
نستطيع القول بأن الإيرانيين لا مثيل لهم في هذا السبيل؛ أي أنّ أيّة أُمّة أُخرى لم تخدم أي دين من الأديان ولم تخلص له كما خدم الفرس الإسلام وأخلصوا له.
إذ بالإمكان أن تُجعل أُمّة من الأُمم تطيع بالقوة، وليس بالإمكان أن يُخلق فيها الإيمان والحركة والنشاط بالقوة والقهر والإكراه والإجبار؛ فإنّ منطقة نفوذ الأموال و القدرات محدودة بحدود واضحة، وإنّ عبقريات البشرية لم تنشأ إلّا من الإيمان والإخلاص فحسب.
وقد يدّعي البعض بأنّ دافع الإيرانيين لحركتهم ونشاطهم الكثير في سبيل الثقافة والمعارف الإسلامية كان ردّ فعل لهم عن هزيمتهم العسكرية أمام العرب في ميادين القادسية و جلولاء و حلوان و نهاوند وغيرها، فقد عرف الإيرانيون أن الهزيمة العسكرية ليست الهزيمة النهائية. بل إنّ الهزيمة النهائية هي الهزيمة القومية والثقافية. وإنّ الإيرانيين إنّما نشطوا في مجال المعارف الإسلامية بأثر من أحاسيسهم القومية كي يثبتوا وجودهم أمام الأُمم ولا سيما العرب أنفسهم، ولكي يحفظوا بالضمن أفكارهم وآدابهم بصبغة إسلامية. وبعبارة أُخرى يقولون: إنّ الإيرانيّين حيث لم يتمكنوا من عدم قبول الإسلام كحقيقة واقعية، فكروا في سبيل أن يجعلوا الإسلام إيرانياً، ولم يجدوا لهذا سبيلًا سوى الطريق الى القبض على الشؤون العلمية الإسلامية.
وباعتقادنا أنّ هذا التفسير بعيد عن الواقع والحقيقة مئة بالمائة، وذلك:
أوّلًا: قد بيّنا قبل هذا أنّ سوابق الخدمات الإيرانية للإسلام تصل الى ما قبل الهزيمة العسكرية، وأنّ ما قام به الإيرانيون من خدمة للإسلام بعد الهزيمة أمامه، له نظائر منهم من قبل الهزيمة العسكرية.
وثانياً: لو كان الدافع ردّ فعل للهزيمة لما كان يستمر أربعة عشر قرناً من الزمان. ولو كان بالإمكان تفسير الحركات الموقتة بهكذا دوافع آنية، فليس من الصحيح تفسير الحركات التي تدوم قروناً بمثل هذه الدوافع الزمنية.