الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٣١ - زرادشت والثنوية
وهذا إنّما يصح بالنظر الى توحيد الذات فحسب، ولا يصح بالنظر الى التوحيد في الأفعال؛ إذ من المعلوم بناء على الآثار الموجودة ومنها «گاتاها»: أنّ الشرور كانت تشغل بال زرادشت كثيراً تماماً كسائر القدماء الآخرين، وأنّ زرادشت كان يقول: إنّ نظام هذا العالم ليس على وفق النظام المعقول الذي يجب أن يكون، إذ نجد في هذا العالم حقائق شريرة، والوجودات المقدّسة كاهورامزدا أو «سپنت مئينيو» اعظم وأجل من ان ينسب خلق هذه الشرور إليها؛ إذن فلابدّ من أن نفترض وجوداً آخر يكون شراً ذاتاً وتنسب هذه الشرور المخلوقة إليه.
وإن أساس التوحيد لايستقر على هذا الأُسلوب من التفكير، سواء كان أهريمن مخلوقاً لأهورامزدا أو لا يكون؛ أما إذا لا يكون فواضح، وأمّا إذا كان مخلوقاً له فنقول:
أوّلًا: إذن يبقى السؤال الأساس على حاله، وهو أنّه: إذا كان أهورامزدا يفعل الشر أيضاً فما الداعى لافتراض وجود «انكرامئنيو» قبال أهورامزدا أو «سبنت مئينيو» بل ننسب الشرور الى نفس أهورامزدا أو «سپنت مئنيو» بعنوان أنّه هو الصادر الأول لواجب الوجود ... وأما إذا كان نسبة الشر الى أهورامزدا من غير الممكن فكيف يمكن أن يكون أهورامزدا قد خلق أهريمن أو «انگرامئنيو» الروح الشريرة ومبدأ كل الشرور؟!
وثانياً: وبعد أن افترضنا خلق «انگرامئنيو» فما دوره هو؟ فهل هو يخلق مباشرة؟ أو أنّه يكون منفّذاً لإرادة أهورامزدا ومشيئته؟ ... فإنّ كان يخلق مباشرة فقد وُجد لأهورامزدا شريك في الفعل والخلق، وهذا هو شرك عيناً. وإن لم تكن له مباشرة وإستقلال في الخلق؛ فلا أثر لافتراض وجوده في نفي نسبة الشرور الى أهورامزدا.
إنّ جذور الثنوية تنشأ من تصوّر البشر أنّ الأشياء على نوعين: خير وشر، ولهذا كان يقول بوجود مبدأ للخير ومبدأ آخر للشرّ، ويقول لخالق الخير بأسمى الصفات والكمالات، ويبرّيه من التدخّل في خلق الوجودات الضارة! وينكر أن تكون مخلوقة