الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٤٩ - الإسلام في المغرب وشمال إفريقيا
فالعراق كما نعلم هو المركز الأكبر لتجمع الإيرانيّين المسلمين وفقهائهم، ونرى أنّ فقهاء العراق كانت ردود الفعل عندهم على الزندقة والزنادقة أشد من سائر الفقهاء[١].
فقد كان أبو حنيفة وأصحابه إيرانيّين على خلاف الشافعي وأصحابه، وكانت فتوى الشافعي بشأن الزنادقة أقل وطأة من فتوى الأحناف، ففى باب قبول توبة المرتدّ مسألة اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من لايفرق بين المرتدّ والزنديق في قبول توبتهما، والشافعي من هؤلاء والفريق الآخر يقول بعدم قبول توبة المرتد، وأبو حنيفة من هؤلاء في أحد قوليه. و قيل: إنّ أصحاب أبي حنيفة كانوا يفتون بعدم قبول توبة الزنادقة جازمين بذلك أقوى جزم من فتوى شيخهم أبي حنيفة. وعُرفت هذه الفتوى أنّها ردّ فعل شديد من قبل الإيرانيّين بالنسبة الى الزنادقة المنسوبين إليهم.
أمّا الحركة الثانية، أي التمييز العنصرى والمفاخرات القومية التي كانت ضدّ أصل المساواة الإسلامية؛ فقد وُجدت هذه التحريفة على أيدى العرب، إذ كانت سياسة الامويين مبنية على أصل تقدّم العرب على غيرهم في الدولة الإسلامية!
وكان معاوية قد كتب الى عماله يأمرهم بأن يفضلوا العرب على غيرهم في كلّ شيء. فكانت هذه السياسة ضربة قاضية على الهيكل الإسلامي، إذ أصبحت هي
[١] نقصد بالفقهاء هنا فقهاء السنة. ولقد كان رد الفعل عند العلماء الشيعة الإيرانيّين شديداً أيضاً، فالشيخ الطوسي محمّد بن الحسن الخراساني المتوفّى( ٤٦٠ ه-) عنون هذه المسألة في كتاب المرتد من المجلّد الثاني من كتاب« الخلاف في الفقه» وهو يفرق بين المرتد والزنديق ويقول في الفرق بينهما:« الزنديق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فإذا تاب وقال تركت الزندقة، روى أصحابنا: أنّه لاتقبل توبته: لأنه دين مكتوم ...» وما أظهره من التوبة لم يدل دليل على اسقاط القتل عنه- فإن قتله بالزندقة واجب بلا خلاف- وأيضاً فإن مذهبه إظهار الإسلام فإذا طالبته بالتوبة فقد طالبته بإظهار ما هو مظهر له، فكيف يكون إظهار دينه توبة له؟ والمرتد على ضربين: أحدهما: ولد على فطرة الإسلام من بين المسلمين، فمتى ارتد وجب قتله ولا تقبل توبته. والآخر: كان كافراً فأسلم ثم ارتد: فهذا يستتاب، فإن تاب، وإلّا وجب قتله ...»( الخلاف ٤٣٤: ٢).