الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٠٨ - أما صحيفة أعمال الإسلام في إيران
إنّ فتح أبواب الثقافة الإسلامية وأبواب سائر الثقافات لم يكن من نتاج كسر القلاع الخارجية المضروبة على هذه الأُمّة فقط، بل كان هناك عامل آخر هو رفع المانع عن طلب العلم الذي كان قد قرره النظام الموبدي الطبقي سداً أمام أفراد هذه الأُمّة. إذ لم يكن الإسلام يعرف شرفاء وأعيان ممتازين عن غيرهم بخصائص خاصة، ولم يكن يقصر طلب العلم و المعرفة على طبقة رجال الدين أو أيّة طبقة أُخرى، فقد كان الإسلام يرى للإسكافي والكواز الحقّ في طلب العلم بنفس المقدار الذي يراه لأبناء الأئمّة والملوك. بل إنّ النوابغ غالباً يظهرون من بين أبناء الإسكافيين والكوّازين أكثر من أبناء الملوك والقصور. إنّ رفع هذا المانع من الداخل وكسر ذلك الطوق من الخارج سبّبا في إحراز الإيرانيين لمكانتهم السامية في بناء حضارة إسلامية عالمية وفي الإمامة في الفقه والعلم والدين.
إنّ الإسلام عرّف الإيراني بنفسه وبالعالم، وتبيّن للعالم خطأ ما كان يقال عن الإيراني أن لا ذوق له في العلميات وإنّما هو رجل حرب وسياسة ... فقد تبيّن للعالم أن تأخره عن بعض العلوم في بعض الأدوار التاريخية لم يكن من نقص في استعداده وإنّما كان ذلك من حصره في النظام الموبدي؛ ولهذا فإنّه أبدى نبوغه العلمي في العهد الإسلامي الى أبعد الحدود.
إنّ النظام الموبدي الذي كان يخنق الأفكار قبل الإسلام جعل بعض الغربيين يخطئون فيرون أنّ ذلك من قصور في الفكر الفارسي؛ فيقول غوستاف لوبون:
«إنّ أهمية الإيرانيين في سياسة العالم كانت أهمّية عظمى، لكن ليست لهم أيّة أهمّية في تاريخ التمدّن والحضارة الإنسانية إنّهم أوجدوا إمبراطورية عظمى في قرنين من الزمن على القسم الأعظم من العالم، لكنّهم لو يوجدوا أي شيء في العلوم والصناعات والفنون والأدب، ولم يضيفوا أي شيء الى كنوز العلوم والمعارف التي توارثوها من الأُمم المفتوحة لهم ... إنّ الإيرانيين لم يكونوا مبدعين وإنّما كانوا