الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١١٥ - النقطة الثانية في النشاط الإسلامي لأبناء الفرس بعد تسرّب الإسلام الى قلوبهم
ذلك حينما يئسوا من الحكومات العربية أن تكون إسلامية واقعية؛ وحينذاك قنعوا بالاستقلال السياسي وبقوا على دينهم كما كانوا؛ بل قد أسلم أكثر الفرس في دور استقلالهم السياسي؛ فقد بدأ الاستقلال السياسي منذ أوائل القرن الثالث الهجري، وكان كثير من الفرس باقين الى ذلك الحين على ما لهم من دين من المجوسية والمسيحية والصابئية وحتى البوذيّة، وأنّ ما تبقّى من ذلك الزمان من كتب الرحلة يحكي لنا أنّه «كان في إيران الى ذلك الزمان كنائس وبيوت نيران كثيرة، ثم بدأ عددها يقل شيئاً فشيئاً ويتبدّل كثير منها الى مساجد».
بل يسمّي لنا المؤرخون من المسلمين عدداً من الأُسر التي كانت حتى القرنين الثالث والرابع باقية على مجوسيتها وزرادشتيتها، وأنها كانت تعيش بين المسلمين بصورة غير مهانة ثم تركت دينها ودخلت في الإسلام طوعاً ورغبة.
يقولون: إنّ سامان جدّ السامانيين، الذي كان ينتسب إلى الملوك الساسانيّة، وكان هو من أكابر (بلخ) كان قد أسلم في حدود القرن الثاني. وأن جدّ أسرة قابوس التي تملكت مدّة من الزمان، كان قد أسلم في القرن الثالث. وأنّ مهيار الديلمي الشاعر القدير والشهير الفارسي كان قد أسلم في أواخر القرن الرابع الهجري.
وإنّ أكثر أهالي طبرستان وشمال إيران كانوا لم يتعرّفوا على الإسلام الى ما بعد القرن الثالث ولذلك فهم كانوا يحاربون عساكر الخلفاء. وبقي أكثر أهالي كرمان الى ما بعد عهد الأُمويّين على المجوسية. وكان أكثر أهل فارس وشيراز على عهد الاصطخري[١] من المجوس.
وقد ذكر المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم)[٢] مجوس فارس ونفوذهم الكبير واحترامهم الكثير عند المسلمين وأنّهم كانوا أكثر حرمة عندهم من سائر أهل الذمة،
[١] صاحب كتاب: المسالك والممالك.
[٢] أحسن التقاسيم للمقدسي: ٣٩ و ٤٢٠ و ٤٢٢.