کتاب الصلاة - الكاظمي الخراساني، الشيخ محمد علي؛ تقرير بحث الميرزا النائيني - الصفحة ١٥٦ - و معرفة ذلك لها طرق متعدّدة
فالأقوى أنّ البيّنة في عرض العلم مقدّمة في الرتبة على الظنّ المطلق، لأنّ الظنّ متأخّر عن العلم، و المفروض أنّ البيّنة في عرض العلم لعدم تقييد في دليل حجّيتها، فيكون الظنّ متأخّرا عن البيّنة أيضا، و لا يعقل أن يكون ما في طول الشيء في عرضه.
و بعبارة اخرى: أنّ من قامت عنده البيّنة يكون عارفا بالقبلة بالتعبّد، فيخرج عن موضوع «من لا يعلم» الذي أخذ موضوعا لحجّية الظنّ.
نعم في خصوص المقام إشكال و هو أنّ حجّية البيّنة في الموضوعات كحجّية الخبر الواحد في الأحكام مقصورة بما إذا كان الإخبار عن حسّ و شهود لا الحدس و الاجتهاد، و هذا المعنى في باب الإخبار عن القبلة منسدّ، لأنّ مستند الشهود إمّا الاجتهاد و هو حدسي، و إمّا العلامات المنصوبة المأخوذة من الهيئة و هي أيضا حدسية، فلا يجوز التعويل على البيّنة في أمثال المقام [١]، هذا.
و لكن لا يخفى عليك ضعف الإشكال، فإنّ العلامات المستخرجة من الهيئة ليست حدسية، لأن الضابط في الأمور الحدسية هو أن يكون ذلك بإعمال نظر و اجتهاد، و استعمال المقدّمات النظرية و الأقيسة الاجتهادية لاستنتاج المطالب، كاستنتاج الفقيه الحكم الشرعي من الأدلة بحسب ما يفهمه منها، و من المعلوم أن علم الهيئة ليس من هذا القبيل، بل هو كعلم الحساب مأخوذ من مبادئ حسّية و مقدمات مشهورة، بداهة أن معرفة طول البلاد و عرضها من الأمور الحسية التي يعرفها كلّ من كان أهلا لها، و مجرّد عدم معرفة كلّ أحد لها لا يخرجها عن الحسّية، فهو من قبيل معرفة الصائغ مقدار الغش في الذهب و معرفة المقوّم مقدار
[١] ويمكن أن يقال: إن اعتبار البينة في أمثال المقام إنما هو من باب اعتبار قول أهل الخبرة، لامن باب الشهادة حتى يقال: إنه يعتبر أن تكون عن حس والحس مفقود في مثل المقام فتأمل فانه لو كان اعتبار ذلك من باب أهل الخبر لم يكن وجه لاعتبار التعدد، فتأمل. " منه ".