کتاب الصلاة - الكاظمي الخراساني، الشيخ محمد علي؛ تقرير بحث الميرزا النائيني - الصفحة ٢٠٠ - الاستدلال على بطلان الصلاة الواقعة على دبر القبلة بالأخبار الدالّة على بطلان الصلاة عند الالتفات إلى ما وراء القبلة في أثناء الصلاة يتوقّف على أمور
نعم لو قلنا بأنّ أخبار الباب مختصّة بصورة التحرّي و الاجتهاد و لا تعمّ الناسي- كما اختاره صاحب الجواهر قدّس سرّه- لكانت أخبار الالتفات أجنبية عن المقام و لا يمكن الاستدلال بها فيه، إلّا أنّ دعوى اختصاصها بذلك ممّا لا وجه لها، مع أنّ صاحب الجواهر [١]- رحمه اللَّه- اعترف بأنّ الطائفة الاولى من أخبار الباب الدالّة على عدم وجوب الإعادة و القضاء لو وقعت الصلاة إلى ما بين المغرب و المشرق تعمّ الناسي أيضا، و إنّما قال بالاختصاص في خصوص الطائفة الثانية، و لكن الإنصاف أنّه لم يظهر وجه للتفرقة بين الطائفتين، فتأمّل [٢].
و كذا لا يمكن الاستدلال بأخبار باب الالتفات لما نحن فيه، لو منعنا الأولوية و أنّه لا ملازمة بين بطلان الصلاة إلى دبر القبلة لو كان ذلك في الأثناء و بطلانها لو وقعت من أول الأمر إلى دبر القبلة، أو قلنا بعدم صدق الصلاة إلى دبر القبلة لو كان في الأثناء، أو قلنا بأن أخبار الالتفات تختصّ بالعامد و لا تعمّ الناسي.
و لكنّ منع الملازمة بين الأول و الأثناء و عدم صدق الصلاة إلى غير القبلة لو كان ذلك في الأثناء و اختصاص الالتفات بصورة العمد كلّ ذلك مشكل بل لا سبيل إليه، فالأقوى القول ببطلان الصلاة لو وقعت إلى دبر القبلة، كما عليه عمل الأصحاب حسب ما يستفاد من عبارة الشيخ [١]- رحمه اللَّه- المتقدّمة في ذيل المرسل الذي حكاه، فتأمّل فيما ذكرناه فإنّ الاستدلال بأخبار الالتفات لما نحن فيه لا يخلو من إعمال لطف.
[١] النهاية: ص ٦٤- و قد عدل شيخنا الأستاذ- مدّ ظلّه- عن هذا التقريب عند البحث في القواطع في مسألة قاطعية الالتفات، و قوى في نظره عدم ثبوت المفهوم لصحيحة البزنطي (٣)، و هذا التقريب مبني على ثبوت المفهوم فتأمّل. «منه».
[١] جواهر الكلام: ج ١١ ص ٤٢.
[٢] سيأتي وجه التفرقة بين الطائفتين في آخر البحث فانتظر وراجع.
[٣] الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٩ باب ٣ من أبواب قواطع الصلاة، ح ٨.
كتاب الصلاة (للنائيني)، ج١، ص: ٢٠١
و يمكن تقريب الاستدلال بوجه آخر، و هو أنّه في أخبار باب الالتفات ما يكون أخصّ من مطلقات هذا الباب، و هو صحيح البزنطي: سألت الرضا عليه السّلام عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة و التفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلّى و لا يعتدّ به (١)، الخبر. و في معناه رواية أخرى.
وجه كون ذلك أخصّ من مطلقات الباب واضح، فإنّ قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة يعيد في الوقت لا في خارجه» (٢) يعمّ صورة الاستدبار و غيرها، و ما في صحيح البزنطي في أخبار الالتفات مختصّ بصورة الاستدبار كما هو الظاهر من الخلف، فتكون النسبة بينهما أعمّ أخصّ مطلقا.
و لا يتوهّم أنّ صحيح البزنطي أعمّ من جهة التذكّر في الوقت و في خارجه فتكون النسبة بينهما بالعموم من وجه. و ذلك لأنّ الإعادة عند التذكّر في الوقت ممّا اتّفق عليه كلتا الطائفتين من أخبار الباب و صحيح البزنطي، فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى ذلك، و إنّما التعارض في صورة التذكّر في خارج الوقت، فإنّ صحيح البزنطي يوجب القضاء عند الالتفات إلى خصوص الاستدبار، و أخبار الباب تنفي القضاء عند الاستدبار أيضا لكن بالعموم الشامل له و لغيره، فتكون النسبة أعمّ مطلقا لا من وجه.
و حينئذ لا بدّ من تقييد أخبار الباب بما في صحيح البزنطي، و خروج صورة الصلاة على وجه الاستدبار عن تحت قوله عليه السّلام «من صلّى إلى غير القبلة» و ذلك بعد ما تقدّم من أولوية بطلان الصلاة على وجه الاستدبار من البطلان عند
__________________________________________________
[١] الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٩ باب ٣ من ابواب قواطع الصلاة، ح ٨.
[٢] الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٩ باب ١١ من أبواب القبلة، نقلا بالمضمون.