نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٤ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
فهذا النصّ لا يوجب اختصاص التواتر و الصحّة بالسبعة أو العشرة دون غيرهما. و معنى قوله: «وافقت العربية... » أي موافقة القراءات للقواعد النحوية المستقاة من النطق العربي الفصيح، و لا يرى بعض اللغويين ضرورة لهذا الشرط لأنه أمر متحقّق لا محالة حين يتحقّق شرط الرواية أو صحّة السند [١] .
أما الإمامية فقد قالوا بعدم تواتر القراءات، و تمسّكوا بالقول الّذي يروي عن الإمام الصادق عليه السّلام: «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد» [٢] ، و أشار الشيخ الطوسي رحمه اللّه إلى هذا المعنى بقوله: «اعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا و الشائع من أخبارهم و رواياتهم أن القرآن، نزل بحرف واحد على نبيّ واحد. غير أنهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، و أن الإنسان مخيّر بأيّ قراءة شاء قرأ» [٣] .
و لذا فلا حجّة عندهم للقراءات في الاستدلال على الحكم الشرعي و لكنّهم لم يغفلوا العناية بها و توجيهها و الاحتجاج بها في ترجيح المعاني القرآنية. و تبدو عناية المرتضى بالقراءات القرآنية واضحة في بحثه التفسيري، فهو يحتجّ بها في بيانه لدلالة النصّ القرآني، و يرجح قراءة على أخرى، و يشير إلى اختلاف القراءات و من قرأ بها و علاقتها باللغة و النحو، ذاكرا ما يترتّب على اختلاف القراءة على المعنى. و يمكن لنا بيان ذلك من خلال الآتي:
وقف المرتضى عند قوله تعالى: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا وَ اَللََّهُ مُخْرِجٌ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [٤] ، و نراه يتسائل: كيف يجوز أن يخاطب الجماعة بالقتل و القاتل واحد؟و في الجواب يذكر المرتضى أن اسلوب إخراج الخطاب مخرج ما يتوجّه إلى الجميع مع أن القاتل واحد فعلى عادة العرب في خطاب الأبناء بخطاب الآباء و الأجداد، «فيقول أحدهم: فعلت بنو تميم كذا، و قتل بنو فلان فلانا،
[١] ينظر البحث اللغوي عند العرب: ٢٣.
[٢] أصول الكافي، كتاب فصل القرآن، باب النوادر، الرواية: ١٢، و ينظر البيان في تفسير القرآن، آية اللّه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي: ١٩٣.
[٣] التبيان في تفسير القرآن، ١: ٧.
[٤] سورة البقرة، الآية: ٧٢.