نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٩
و من لم يجوّز تأخير البيان يقول: إنّ التكليف متغاير؛ و إنّهم لمّا قيل لهم: اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلاّ ذبح أيّ بقرة شاؤوا، من غير تعيين بصفة، و لو أنّهم ذبحوا أيّ بقرة اتّفقت كانوا قد امتثلوا الأمر، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة لا فارض و لا بكر، و لو ذبحوا ما اختصّ بهذه الصفة من أيّ لون كان لأجزأ عنهم، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة صفراء، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح ما اختصّ بالصفات الأخيرة.
ثمّ اختلف هؤلاء من وجه آخر، فمنهم من قال في التكليف الأخير: إنّه يجب أن يكون مستوفيا لكلّ صفة تقدّمت، حتى تكون البقرة مع أنّها غير ذلول تثير الأرض و لا تسقى الحرث، مسلّمة لاشية فيها، [صفراء فاقع لونها، و لا فارض و لا بكر]. و منهم من قال: إنّما يجب أن يكون بالصفة الأخيرة فقط، دون ما تقدّم.
و ظاهر الكتاب بالقول المبنى على جواز تأخير البيان أشبه، و ذلك أنّه تعالى لمّا كلّفهم ذبح بقرة قالوا للرسول: اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ، فلا يخلو قولهم: مََا هِيَ من أين يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التي أمروا بها ثانيا؛ على قول من يدّعي ذلك.
و ليس يجوز أن يكون سألوا عن الصفة التي تقدّم ذكرها، لأن الظاهر من قولهم «ما هى» بعد قوله لهم: اذبحوا بقرة يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها؛ و لأنّه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها؛ و إذا صحّ أنّ السؤال إنّما كان عن صفة البقرة المنكّرة التي أمروا في الابتداء بذبحها فليس يخلو قوله: إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ من أن يكون كناية عن البقرة الأولى، أو عن غيرها، و ليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية، لأنّ ظاهر قوله: إنّها بقرة من صفتها كذا بعد قولهم: «ما هى» يقتضي أن يكون كناية متعلّقة بما تضمّنه سؤالهم، و لأنّ الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم، بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شيء فأجابهم عن غيره، و هذا لا يليق بالنبي عليه السّلام.
على أنّه لمّا أراد أن يكلّفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم في الأوّل على ما