نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٧
المراد بها أنّا حكمنا بنجاستهم، و خسة منزلتهم، و ايضاع أقدارهم لمّا كفروا و خالفوا، فجروا بذلك مجرى القرود التي[لها]هذه الاحكام، كما يقول أحدنا لغيره: «ناظرت فلانا و أقمت عليه الحجّة حتى مسخته كلبا» على هذا المعنى.
و قال آخرون: بل أراد بالمسخ أنّ اللّه تعالى غيّر صورهم و جعلهم على صور القرود على سبيل العقوبة لهم و التنفير عنهم.
و ذلك جائز مقدور لا مانع له، و هو أشبه بالظاهر و أمرّ عليه. و التأويل الأوّل ترك للظاهر، و إنّما تترك الظواهر لضرورة و ليست هاهنا.
فإن قيل: فكيف يكون ما ذكرتم عقوبة؟
قلنا: هذه الخلقة إذا ابتدأت لم تكن عقوبة، و إذا غير الحيّ المخلوق على الخلقة التامّة الجميلة إليها كان ذلك عقوبة؛ لأنّ تغيّر الحال إلى ما ذكرناه يقتضي الغمّ و الحسرة.
فان قيل: فيجب أن يكون مع تغيّر الصورة ناسا قردة، و ذلك متناف.
قلنا: متى تغيّرت صورة الانسان إلى صورة القرد، لم يكن في تلك الحال انسانا، بل كان انسانا مع البنية الاولى، و استحقّ الوصف بأنّه قرد لمّا صار على صورته، و إن كان الحيّ واحدا في الحالين.
و يجب فيمن مسخ قردا على سبيل العقوبة أن يذمّه مع تغيّر الصورة على ما كان منه من القبائح؛ لأنّ تغيّر الهيئة و الصورة لا يوجب الخروج عن استحقاق الذمّ، كما لا يخرج المهزول إذا سمن عمّا كان يستحقّه من الذمّ، و كذا السمين إذا هزل.
فإن قيل: فيقولون: إنّ هؤلاء الممسوخين تناسلوا، و أنّ القردة في أزماننا هذه من نسل أولئك.
قلنا: ليس يمتنع أن يتناسلوا بعد أن مسخوا، لكن الإجماع على أنّه ليس شيء من البهائم من أولاد آدم، و لولا هذا الاجماع لجوّزنا ما ذكروا.
[و]على هذه الجملة التي قرّرناها لا ينكر صحّة الأخبار الواردة من طرقنا