نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٤٨ - الأوّل اختلف الناس في هذه المسألة فقال أكثر المتكلّمين و جميع الفقهاء
القدرة؛ بل هو نفي التجويز و الشكّ، و ليس يمتنع أن تقوم دلالة ترفع الشكّ في الجماعة لا يقوم مثلها في الآحاد، و لو فرضنا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم أشار إلى عشرة، فقال: «كلّ واحد منهم يجوز أن يخطئ منفردا، و إذا اجتمعوا، فإنّ الخطأ لا يقع منهم» ، لكان ذلك صحيحا غير مستحيل، و لم يجر مجرى السواد و الطول اللّذين الآحاد فيه كالجماعة، و كيف يمتنع من ذلك من يذهب إلى أنّ الأنبياء و الملائكة عليه السّلام قد علم اللّه تعالى أنّهم لا يفعلون القبائح، و إن كانوا قادرين عليها و متمكّنين منها؟!فارتفع التجويز و الشكّ مع القدرة و التمكّن.
و ممّا قيل في ذلك: أنّه غير ممتنع أن يجوز على الآحاد ما لا يجوز على الجماعات، كسهو الواحد عن شيء مخصوص، و إن كان الجماعات الكثيرة لا يجوز عليها مثل ذلك، و خروجه في وقت مخصوص بهيأة مخصوصة، أو تشويهه بنفسه، و إن كان ذلك كلّه لا يجوز على الجماعات مع القدرة عليها.
و أمّا من نفي صحّة الإجماع من جهة أنّهم لا يجوز أن يجمعوا على الشيء الواحد قياسا مع اختلاف الهمم و الأغراض، فباطل؛ لأنّ الجماعات الكثيرة قد تجتمع على الفعل الواحد و المذهب الواحد، إمّا بحجّة، أو بشبهة، كاجتماع المسلمين على مذاهب كثيرة، مع الكثرة و تباين الهمم، لأجل الحجّة، و اجتماع اليهود و النصارى و المبطلين على المذاهب الكثيرة بالشبهة، و كما أجمعوا مع كثرتهم على القول بقتل المسيح عليه السّلام و صلبه، و إن كان ذلك باطلا.
و أمّا قول من نفى الاجماع لتعذّر الطريق إليه، فجهالة؛ لأنّا قد نعلم اجتماع الخلق الكثير على المذهب الواحد، و ترتفع عنّا الشبهة في ذلك، إمّا بالمشاهدة، أو النقل. و نعلم من إجماعهم و اتّفاقهم على الشيء الواحد ما يجرى في الجلاء و الظهور مجرى العلم بالبلدان و الأمصار و الوقائع الكبار. و نحن نعلم أنّ المسلمين، كلّهم متّفقون على تحريم الخمر و وطئ الأمّهات و إن لم نلق كلّ مسلم في الشرق و الغرب و السهل و الجبل. و نعلم أيضا أن اليهود و النصارى متّفقون على القول بقتل المسيح و صلبه و إن كنّا لم نلق كلّ يهوديّ و نصرانيّ في الشّرق و الغرب. و من دفع العلم بما ذكرناه كان مكابرا مباهتا. و قد استقصينا