نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٩ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
عبد القاهر الجرجاني أنّ الكلمة في ذاتها ليست جيّدة و لا رديئة، لكنّها تحسن في موضع و تسوء في آخر، إذ يقول: «إنّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرّدة، و لا من حيث هي كلم مفردة، و أنّ الفضيلة و خلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى الّتي تليها، و ما أشبه ذلك، ممّا لا تعلّق له بصريح اللفظ» [١] .
و قد أولى المهتّمون بالدراسات اللغوية الحديثة عناية خاصّة بهذا البعد في الدلالة اللغوية، و نظروا إلى نظرية السياق على أنّها حجر الأساس في علم المعنى، و إلى ذلك أشار ستيفن بقوله: «إنّ نظرية السياق-إذا طبقت بحكمة- تمثل حجر الأساس في علم المعنى» [٢] . و قسم من هؤلاء لا يتورّع في المبالغة في هذا المفهوم، بحيث يرى أن لا معنى للكلمة المفردة من غير أن تكون داخل السياق، و في هذا يقول راسل: «الاستعمال يأتي أوّلا و حينئذ يتقطر المعنى» [٣] .
و على الرغم من أنّه «لا يمكن فهم أية كلمة على نحو تام، بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها، و الّتي تحدد معناها» [٤] ، و لكن هذا لا يمنع من القول: «إنّ في كلّ كلمة نواة صلبة من المعنى، ثابتة-نسبيا-و يمكن تكييفها بالنصّ ضمن حدود معيّنة» [٥] . و بهذا لا نلغي المعنى الأساسي للكلمة المفردة، و لا نقلل من أهمّيّة السياق في إعطاء الكلمة أثرها على وفق نظمها بين الكلمات الأخرى.
و بعد هذا المدخل نحاول أن نتعرف رأي الشريف المرتضى في هذا الشأن، و من ثمّ بيان أهمّية السياق عنده، و كيف كان ينظر إلى الكلمات و هي مفردة؟ثمّ إليها و هي مؤلّفة في سياقات مختلفة.
لقد أدرك الشريف المرتضى أن في الألفاظ مركّبة دلالة مستنبطة هي غير دلالتها المجرّدة، و لذا فهو يصرح بأن «اللفظ إذا تعقّبة غيره تغيّرت حاله... ألا
[١] دلائل الإعجاز: ٤٦.
[٢] دور الكلمة في اللغة: ٥٩.
[٣] علم الدلالة، أحمد مختار عمر: ٧٢.
[٤] اللغة و المعنى و السياق: ٨٣.
[٥] منهج البحث اللغوي: ٩٤.