نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥١٤
دليلنا-بعد الاجماع المتردد-قوله تعالى: فَإِذََا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفََاتٍ فَاذْكُرُوا اَللََّهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرََامِ و الأمر على الوجوب، و لا يجوز أن يوجب ذكر اللّه تعالى فيه إلاّ و قد أوجب الكون فيه؛ و لأنّ كل من أوجب الذكر فيه أوجب الوقوف، فان قالوا: نحمل ذلك على الندب، قلنا: هو خلاف الظاهر و يحتاج إلى دلالة.
و أيضا؛ فانّ من وقف في المشعر، و أدّى سائر أركان الحج سقط الحج عن ذمّته بلا خلاف، و ليس كذلك إذا لم يقف به، فان قيل: هذه الآية تدلّ على وجوب الذكر و أنتم لا توجبونه، و إنّما توجبون الوقوف مثل عرفة، قلنا: لا يمتنع أن نقول بوجوب الذكر بظاهر هذه الآية.
و بعد فانّ الآية تقتضي وجوب الكون في المكان المخصوص و الذكر جميعا و إذا دلّ الدليل على أنّ الذكر مستحب غير واجب أخرجناه من الظاهر و بقي الآخر يتناوله الظاهر؛ و تقدير الكلام؛ فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام و اذكروا اللّه تعالى فيه.
فإن قيل: الكون في المكان يتبع الذكر في وجوب أو إستحباب؛ لأنّه إنّما يراد له من أجله؛ فإذا ثبت أنّ الذكر مستحب، فكذلك الكون.
قلنا: لا نسلّم أنّ الكون في ذلك المكان تابع للذكر؛ لأنّ الكون عبادة مفردة عن الذكر، و الذكر عبادة أخرى، و إحداهما لا تتبع الأخرى، كما لم يتبع الذكر للّه تعالى في عرفات الكون في ذلك المكان و الوقوف به؛ لأنّ الذكر مستحب، و الوقوف بعرفات واجب بلا خلاف، على أنّ الذكر إن لم يكن واجبا فشكرا للّه تعالى على نعمه واجب على كلّ حال، و قد أمر اللّه عزّ و جلّ بأن نشكره عند المشعر الحرام، فيجب أن يكون الكون بالمشعر واجبا، كما أنّ الفعل الذي أمرنا بايقاعه عنده واجب.
فإن قيل: ما أنكرتم من أن يكون المشعر ليس بمحل للشكر، و إن كان محلا للذكر و إن عطف الشكر على الذكر.