نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٩٢
الجميع فيه، و ما المعنى في قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؟ و هل أراد الإقامة و الحضور الذين هما ضدا الغيبة، أو أراد المشاهدة و الإدراك؟.
الجواب: قلنا: أمّا قوله تعالى: أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ فقد قال قوم: المراد به أنّه تعالى أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في شهر رمضان، ثمّ فرّق إنزاله على نبيه صلى اللّه عليه و آله و سلم بحسب ما تدعوا الحاجة إليه.
و قال آخرون: المراد بقوله: أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ؛ أنّه أنزل في فرضه و إيجاب صومه على الخلق القرآن؛ فيكون «فيه» بمعنى في فرضه، كما يقول القائل: أنزل اللّه في الزكاة كذا و كذا، يريد في فرضها، و أنزل اللّه في الخمر كذا و كذا يريد في تحريمها.
و هذا الجواب إنّما هرب متكلّفه من شيء، و ظنّ أنّه قد اعتصم بجوابه عنه، و هو بعد ثابت على ما كان عليه؛ لأنّ قوله: اَلْقُرْآنُ إذا كان يقتضي ظاهره إنزال جميع القرآن فيجب على هذا الجواب أن يكون قد أنزل في فرض الصيام جميع القرآن؛ و نحن نعلم أنّ قليلا من القرآن يتضمّن إيجاب صوم شهر رمضان، و أنّ أكثره خال من ذلك.
فإن قيل: المراد بذلك أنّه أنزل في فرضه شيئا من القرآن، و بعضا منه.
قيل: فألاّ اقتصر على هذا، و حمل الكلام على أنّه تعالى أنزل شيئا من القرآن في شهر رمضان و لم يحتج إلى أن يجعل لفظة «فيه» بمعنى في فرضه و إيجاب صومه.
و الجواب الصحيح: أنّ قوله تعالى: اَلْقُرْآنُ في هذا الموضع لا يفيد العموم و الاستغراق، و إنّما يفيد الجنس من غير معنى الاستغراق، فكأنّه قال:
شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ هذا الجنس من الكلام؛ فأيّ شيء نزل منه في الشهر فقد طابق الظاهر. و ليس لأحد أن يقول: إن الألف و اللام هاهنا لا يكونان إلاّ للعموم و الاستغراق؛ لأنّا لو سلمنا أنّ الألف و اللام صيغة العموم و الصورة المقتضية لاستغراق الجنس لم يجب أن يكون هاهنا بهذا الصفة؛ لأنّ