نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٦
الأسماء؛ فلما أنبأهم آدم عليه السّلام بها فعل اللّه لهم في الحال العلم الضروري بصحّتها و مطابقتها للمسمّيات؛ إمّا عن طريق أو ابتداء بلا طريق؛ فعلموا بذلك تميّزه و اختصاصه؛ و ليس لأحد أن يقول: إنّ ذلك يؤدّي إلى أنّهم علموا نبوّته اضطرارا؛ و في هذا منافاة لطريق التكليف؛ و ذلك أنّه ليس في علمهم بصحّة ما أخبر به ضرورة ما يقتضى العلم بالنبوّة ضرورة؛ بل بعده درجات و مراتب لا بدّ من الاستدلال عليها؛ و يجري هذا مجرى أن يخبر أحدنا نبيّ بما فعل على سبيل التفصيل على وجه تخرق العادة؛ و هو و إن كان عالما بصدق خبره ضرورة لا بدّ له من الاستدلال فيما بعد على نبوّته، لأنّ علمه بصدق خبره ليس هو العلم بنبوّته، لكنّه طريق يوصل إليها على ترتيب.
و وجه آخر: و هو أنّه لا يمتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة، فكلّ قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس في لغته دون لغة غيره، إلاّ أن يكون إحاطة عالم واحد لأسماء الأجناس في جميع لغاتهم خارقة للعادة، فلمّا أراد تعالى التنبيه على نبوّة آدم علّمه جميع تلك الأسماء، فلمّا أخبرهم بها علّم كل فريق مطابقة ما خبّر به من الأسماء للغته، و هذا لا يحتاج فيه إلى الرجوع إلى غيره، و علم مطابقته ذلك لباقي اللغات يخبر كل قبيل، و لا شكّ في أنّ كل قبيل إذا كانوا كثيرة، و خبّروا بشيء يجرى هذا المجرى علم مخبرهم، و إذا أخبر كلّ قبيل صاحبه علم من ذلك في لغة غيره ما علمه من لغته.
و هذا الجواب يقتضى أن يكون قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ أي ليخبرني كلّ قبيل منكم بجميع هذه الأسماء.
و هذان الجوابان جميعا مبنيّان على أنّ آدم عليه السّلام مقدّم له العلم بنبوّته، و أن إخباره بالأسماء كان افتتاح معجزاته، لأنّه لو كان نبيّا قبل ذلك، و كانوا قد علموا بقدم ظهور معجزات على يده لم يحتجّ إلى هذين الجوابين معا، لأنّهم يعلمون إذا كان الحال هذه مطابقة الأسماء للمسمّيات بعد أن لم يعلموا ذلك بقوله الذي قد أمنوا به فيه غير الصدق، و هذا بيّن لمن تأمّله [١] .
[١] الأمالي، ٢: ٦٢، راجح أيضا الرسائل، ٣: ١١.