نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٤
فمثال الحذف قوله: «و لكن خامري أمّ عامر» و نظائره ممّا أنشدناه؛ لأنّ القول غير مستغن بنفسه؛ بل يقتضى كلاما آخر غير أنّه لمّا كان فيه دلالة على ما حذف حسن استعماله.
و مثال الاختصار الذي ليس بحذف قول الشاعر:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضل [١]
أراد أنّهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم، لا ينتجعون كالأعراب، فاختصر هذا المبسوط كلّه في قوله: «حول قبر أبيهم» .
و مثله قول عدّي بن زيد:
عالم بالذي يريد نقي الصّد # رعفّ على حثاه نحور [٢]
و في معنى الاختصار قول أوس بن حجر:
و فتيان صدق لا تخمّ لحامهم # إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا
فقوله: «لا تخمّ لحامهم» لفظ مختصر؛ و لو بسطه لقال: إنّهم لا يدّخرون اللحم و لا يستبقونه فيخمّ، بل يطعمونه الأضياف و الطّرّاق.
و معنى قوله:
إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا
يعنى في شدة البرد كلب الشتاء؛ الثريا تطلع في هذا الزمان عشاء، كأنها صوار متفرّق.
و هذا أيضا أكثر من أن يحصى، و إنّما فضّل الكلام الفصيح بعضه على بعض؛ لقوّة حظّه من إفادة المعاني الكثيرة بالألفاظ المختصرة.
[١] ديوانه: ٨٠؛ و هي مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة.
[٢] اللسان (جثا) . و في حاشية بعض النسخ: «قله «جثاه» : تراب كان يجمع و يجعل عليه حجارة و ينحر عليها الأصنام؛ يريد أنه طائع متدين؛ و يروي على جباه» ؛ و هي الحياض. و الجابية: شيء مثل الحوض يجعل فيها الماء للإبل؛ و جمعها الجوابي» .