نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٩ - سورة البقرة
تقدّم، و الأولى أن يكون المراد: و ذلك الإخلاص دين القيّمة. و العبادات الّتي تقدّم ذكرها إنّما يشار إليها بلفظة «تلك» ، فكان يجب أن يقول و تلك دين القيمة.
فإذا قالوا: أراد بذلك الّذي أمرتم به، و المعنى الّذي أمرتم به دين القيّمة، لدلالة لفظة «و ما أمروا» على الّذي أمرتم به.
قلنا: إذا أخرجنا عن الظاهر و احتجنا إلى الاضمار، لم تكونوا باضمار ما ذكرتموه أولى منّا باضمار ما ذكرناه من الإخلاص و التدين، و يرجّح قولنا على قولكم؛ لأنا نضمر ما لا يخرج معه لفظ «الإيمان» عن موجب اللغة، و أنتم بخلاف ذلك.
على أنه قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللََّهِ اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتََابِ اَللََّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ [١] فيجب على ما قلتموه أن يكون عدّة الشهور من الدين.
فإذا قلتم: الدين القيّم يرجع إلى التدين بما ذكره لا إليه نفسه.
قلنا: مثل ذلك فيما تعلقتم به من الآية.
على أن من قال من خصومنا إن الإيمان يختصّ بالمفروض من الطاعات دون النفل يترك ظاهر هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكََاةَ [٢] يعمّ الفرض و النفل، فإذا جاز أن ترد لفظة «ذلك» إلى بعض ما تقدّم دون بعض جاز لنا مثل ذلك، و سقط الاستدلال.
و الجواب عن السادس: أن قوله تعالى بعد الإيمان لا يدلّ على بطلان حكم الإيمان و ارتفاع التسمية به، و قد قال اللّه تعالى: وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَةُ [٣] و معلوم أن التفرّق لما حدث بعد البيّنة لم يبطل حكم البيّنة، بل كانت ثابتة على ما كانت عليه، و إنّما أراد تعالى بعد مجئ البيّنة، و قد يقول أحدنا: «عرفت زيدا بعد معرفتي بعمرو» «جاءني فلان بن
[١] سورة التوبة، الآية: ٣٦.
[٢] سورة البيّنة، الآية: ٥.
[٣] سورة البيّنة، الآية: ٤.