نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٠ - سورة البقرة
كما قال تعالى: الم `ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ و إن كان هدى للكل، فإن حمل ذلك على أن المتّقين لما انتفعوا بهدايته، و لم ينتفع بها الفاسقون جاز هذا القول [١] ، و هذا كما قال تعالى: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [٢] و قوله جلّ و عزّ إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ [٣] [ولي في قصيدة: ]
فقلت لهم إنّما يعذل المشيـ # ب على الغي من يقبل
أي ينتفع بعذله من يقبل، و جعلت من لم ينتفع بالعذل كانه غير معذول [٤] و كان لنا أن نقول مثل ذلك في قوله: «إمام المتّقين» و لا وجه يذكر في اختصاص لفظ الآية مع عموم معناها إلا و هو قائم في الخبر.
فأمّا دعاء الصالحين بأن يجعلهم اللّه للمتّقين إماما، فقد يجوز أن يحمل على أنّهم دعوا بأن يكونوا أئمّة يقتدى بهم الاقتداء الحقيقي الذي بيّناه فهذا غير ممتنع، و لو صرنا إلى ما يريده من أنّهم دعوا بخلاف ذلك لكنا إنّما صرنا إليه بدلالة، و إن كانت حقيقة الإمامة تتضمّن ما قدّمناه من معنى الاقتداء المخصوص و ليس العدول عن بعض الظواهر لدلالة تقتضي العدول عن كلّ ظاهر بغير دلالة [٥] .
- وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨].
اعلم أن الإيمان هو التصديق بالقلب، و لا اعتبار بما يجري على اللسان ممّن كان عارفا باللّه تعالى و بكلّ ما أوجب معرفته مقرّا بذلك مصدّقا فهو مؤمن.
و الكفر نقيض ذلك، و هو الجحود في القلب دون اللسان لما أوجب اللّه تعالى المعرفة به، و لا بدّ بدليل شرعي من أن يستحقّ به العقاب الدائم الكبير على ما تقدّم ذكره.
و إلى هذا المذهب ذهبت المرجئة، و ان كان فيهم من ذهب إلى أن الإيمان
[١] الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، ٣: ١١٨.
[٢] سورة النازعات، الآية: ٤٥.
[٣] سورة يس، الآية: ١١.
[٤] الرسائل، ٤: ٢٢٧ بتصرّف يسير اقتضاه السياق.
[٥] الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، ٣: ١١٨.