نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٨٨ - سورة البقرة
و ممّا قيل في ذلك أيضا: إنّ اللّه تعالى علم أن سيكون في هذه الأمّة مبتدعون يذهبون في القرآن المسموع المقرؤ، بأنّه ليس بكلام اللّه تعالى، و أنّ كلامه على الحقيقة غيره، فأراد تعالى بذكر هذه الحروف التنبيه على أنّ كلامه هذه الحروف، و أنّ ما ذهبوا إليه من أنّ كلامه تعالى غير هذا المسموع باطل مضمحل.
و هذا أيضا ليس بشيء؛ لأنّ من ذهب إلى أنّ كلامه تعالى ليس حقيقة [١] في ذاته بما يسمع و يقرأ، و جعل هذا القرآن عبارة و علّة و حكاية على اختلاف عباراتهم لا بحجة [٢] و يبطل قوله أن يورد عليه هذه الحروف المقطّعة، فانّه إذا جاز أن يقول في المركّب من هذه الحروف أنّه غير المسموع و أنّه في النفس، جاز أن يقول في المفرد مثل ذلك، فإنّ الشبهة في الامرين قائمة، و إنّما يزال إذا أزيلت بغير هذه الطريقة.
و قيل في ذلك: إنّ اللّه تعالى أقسم بهذه الحروف لعظمتها و جلالتها و كثرة الانتفاع [٣] بها، و أنّها مباني أسمائه الحسنى، و بها أنزل تحيّته على أنبيائه، و عليها تدور اللغات على اختلافها، فكأنّه تعالى قال: و حروف المعجم فقد بيّن لكم السبل و أنهج الدلالة، فحذف جواب القسم لعلم المخاطبين به؛ و لأنّ قوله تعالى: ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ يدلّ على الجواب و يكفي منه، و يجري مجرى قوله تعالى: وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً [٤] في أنّ جواب القسم محذوف، و التأويل و النازعات غرقا لتبعثنّ أو لتعرضنّ على اللّه، فحذف الجواب؛ لأنّ قوله تعالى:
أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً نَخِرَةً [٥] يدلّ عليه، و قوله تعالى: وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْبُرُوجِ [٦] و وَ اَلشَّمْسِ وَ ضُحََاهََا [٧] ؛ فحذف الجواب إذا كان عليه دالّ سائغ في اللغة.
و إن كان بعض النحويين قد ذهب إلى أنّ جواب وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْبُرُوجِ
[١] في الهامش: حقه.
[٢] ظ: لا يحجه.
[٣] في الهامش: الانقطاع.
[٤] سورة النازعات، الآية: ١.
[٥] سورة النازعات، الآية: ١١.
[٦] سورة البروج، الآية: ١.
[٧] سورة الشمس، الآية: ١.
غ