نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٧ - تنزيه الأنبياء كافة عن الصغائر و الكبائر
الكذّاب؛ لأنّ تصديق الكذّاب قبيح، كما أنّ الكذب قبيح، فأمّا الكذب في غير ما يؤدّيه عن اللّه و سائر الكبائر فإنّما دلّ المعجز على نفيها، من حيث كان دالاّ على وجوب اتّباع الرسول و تصديقه فيما يؤدّيه، و قبوله منه؛ لأنّ الغرض في بعثة الأنبياء عليهم السّلام، تصديقهم بالأعلام، المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به، فما قدح في الامتثال و القبول و أثّر فيهما، يجب أن يمنع المعجز منه، فلهذا قلنا: إنّه يدلّ على نفي الكذب و الكبائر عنهم في غير ما يؤدّونه بواسطة، و في الأوّل يدلّ بنفسه.
فإن قيل: لم يبق إلاّ أن تدلّوا على أنّ تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول و الامتثال.
قلنا: لا شبهة في أنّ من نجوّز عليه كبائر المعاصي و لا نأمن منه الإقدام على الذنوب، لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوّز عليه شيئا من ذلك، و هذا هو معنى قولنا: إنّ وقوع الكبائر منفّر عن القبول، و المرجع فيما ينفّر و ما لا ينفر إلى العادات و اعتبار ما تقتضيه، و ليس ذلك ممّا يستخرج بالأدلة و القياس، و من رجع إلى العادة علم ما ذكرناه، و أنّه من أقوى ما ينفّر عن قبول القول؛ فإن حظّ الكبائر في هذا الباب لم يزد على حدّ السخف و المجون و الخلاعة و لم ينقص منه.
فإن قيل: أو ليس قد جوّز كثير من الناس على الأنبياء عليهم السّلام الكبائر مع أنّهم لم ينفّروا عن قبول أقوالهم و العمل بما شرّعوه من الشرايع، و هذا ينقض قولكم:
إنّ الكبائر منفرة.
قلنا: هذا سؤال من لا يفهم ما أوردناه؛ لأنّا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق، و أن لا يقع امتثال الأمر جملة. و إنّما أردنا ما فسّرناه من أنّ سكون النفس إلى قبول قول من يجوّز ذلك عليه لا يكون على حدّ سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه، و إنّا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول، كما إنّا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى قبول القول. و قد يقرّب من الشيء ما لا