نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٣١ - التاسع فصل في إثبات التعبّد بخبر الواحد أو نفي ذلك
و يقال لهم فيما تعلّقوا به ثانيا: أمّا الكتمان فلا يستعمل إلاّ فيما يجب إظهاره، أو تقوى الدواعي إلى ذلك فيه، فمن أين لكم أنّ خبر الواحد له هذه الصفة، حتّى يطلق فيه الكتمان؟!و الآية تدلّ على الاختصاص بنقل القرآن؛ لأنّه قال: مََا أَنْزَلْنََا مِنَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ اَلْهُدىََ [١] ، و ما أنزل اللّه تعالى هو القرآن.
و يقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثا: هذه الطريقة مبنيّة على دليل الخطاب، و قد بيّنّا فيما تقدّم فساد ذلك. و بعد، فالتّعليل في الآية أولى أن يعوّل عليه من دليل الخطاب، و هو قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ [٢] ، و هذه العلّة قائمة في خبر العدل. و قد قيل: إنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، و قد ولاّه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم صدقات بعض العرب، فعاد إليه يذكر أنّهم منعوا الصدقات، فهمّ الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم بإرسال الجيوش إليهم، فنزلت الآية بيانا له، و ليعلم الرسول عليه السّلام أنّ الوليد بهذه الصفة؛ لأنّه إنّما ولاّه على ظاهر أمره.
و يقال لهم فيما تعلّقوا به رابعا: ليس يجوز أن يؤمر بأن يبلغ إلاّ بما هو حجّة في نفسه يجب العمل به، و هذا يقتضى أن يدلّ على أنّ الخبر الواحد بهذه الصفة حتّى يصحّ الإبلاغ به، و من مذهب من خالفكم في هذه المسألة أنّ الإبلاغ لا يصحّ إلاّ بما هو حجّة توجب العلم، أو بتواتر، أو إجماع، أو قول إمام معصوم نائب عنه عليه السّلام و خليفة له بعد وفاته.
و يقال لهم فيما تعلّقوا به خامسا: أنتم تعلمون بأيّ شيء تدفع الإماميّة هذه الطريقة، و هو أنّها تقول إنّما عمل بأخبار الآحاد من الصحابة المتأمّرون الّذين يحتشم التصريح بخلافهم، و الخروج عن جملتهم، فالإمساك عن النكير عليهم لا يدل على الرضا بما فعلوه؛ لأنّنا كلّنا نشترط في دلالة الإمساك على الرضا أن لا يكون له وجه سوى الرضا من تقيّة و خوف و ما أشبه ذلك، فبطل أن يكون ما ذكرتموه إجماعا، غير أنّا نعدل عن استعمال هذه الطريقة في هذا الكتاب؛ لأنّها تحوج إلى الكلام في الإمامة، و ينتقل من أصول الفقه إلى أصول الدين، و لأنّها
[١] سورة البقرة، الآية: ١٥٩.
[٢] سورة الحجرات، الآية: ٦.
غ