نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٩ - التاسع فصل في إثبات التعبّد بخبر الواحد أو نفي ذلك
[في أدلّة القائلين بورود التعبّد بخبر الواحد و الجواب عنها] و قد تعلّق مخالفونا بأشياء:
أوّلها: قوله تعالى: فَلَوْ لاََ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طََائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذََا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [١] . و ليس يكونون منذرين لهم إلاّ و يلزمهم القبول منهم. و ربما قالوا: إنّ معنى الآية و لينذر كلّ واحد منهم قومه.
و إذا صحّ لهم ذلك استغنوا عن التشاغل بأنّ اسم طائفة يقع على الواحد، كما يقع على الجماعة، و تعلّقهم في ذلك بقوله تعالى: وَ لْيَشْهَدْ عَذََابَهُمََا طََائِفَةٌ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [٢] و قوله تعالى: وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا [٣] .
و ثانيها: قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلْنََا مِنَ اَلْبَيِّنََاتِ [٤] و حظر الكتمان يقتضي وجوب الإظهار، و لا يجب الإظهار إلاّ للقبول.
و ثالثها: قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ [٥] ، و الظاهر يقتضي أنّ العدل في هذا الحكم بخلاف الفاسق.
و رابعها: أنّ اللّه تعالى قد أمر رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلم بالابلاغ في مواضع من الكتاب لا تحصى، و الإبلاغ يكون بالتواتر و الآحاد معا؛ لأنّه لو اختصّ بالتواتر و ما يوجب العلم لوجب أن يكون العلم بفروع العبادات كالعلم بأصولها، و كذلك فروع المعاملات كلّها، و معلوم ضرورة خلاف ذلك.
و خامسها: و هو الطريقة الّتي بها يصولون، و عليها كلّهم يعوّلون، و إيّاها يرتضون، و ترتيبها أن الصحابة مجمعة على العمل بأخبار لا تبلغ التواتر، و ذلك أظهر فيما بينهم من كلّ شيء كان ظاهرا، و يذكرون رجوعهم في وجوب الغسل بالتقاء الختانين إلى أزواج النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم عند اختلافهم في ذلك، و عمل عمر بن الخطّاب بعد التوقّف و التردّد في جزية المجوس على خبر عبد الرحمن، ثمّ
[١] سورة التوبة، الآية: ١٢٢.
[٢] سورة النور، الآية: ٢.
[٣] سورة الحجرات، الآية: ٩.
[٤] سورة البقرة، الآية: ١٥٩.
[٥] سورة الحجرات، الآية: ٦.