نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٨ - التاسع فصل في إثبات التعبّد بخبر الواحد أو نفي ذلك
عقلا من العبادة به من النّظّام و غيره من المتكلّمين. و ذهب الفقهاء و أكثر المتكلّمين إلى أنّ العبادة قد وردت بالعمل بخبر الواحد في الشريعة. و كان أبو علي الجبائي لا يعمل بخبر الواحد في الشريعة، و يعمل بخبر الاثنين فصاعدا، و يجريه مجرى الشهادة.
و الّذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه أنّه لا خلاف بيننا و بين محصّلي مخالفينا في هذه المسألة أن العبادة بقبول خبر الواحد و العمل به طريقة الشرع و المصالح، فجرى مجرى سائر العبادات الشرعيّة في اتّباع المصلحة، و أن العقل غير دالّ عليه، و إذا فقدنا في أدلّة الشرع ما يدلّ على وجوب العمل به؛ علمنا انتفاء العبادة به، كما نقول في سائر الشرعيّات و العبادات الزائدة على ما أثبتناه و علمناه، و على هذه الطريقة نعوّل كلّنا في نفي صلاة زائدة و صوم شهر زائد على ما عرفناه، و في أنّ مدّعي النبوّة و لا معجز على يده ليس بنبي. و ليس لأحد أن يقول: إنّما علمت أنّه لا صلاة زائدة على الخمس مفروضة، و لا صيام مفروض زائد على شهر رمضان بالاجماع؛ لأنّا نعلم أنّهم لو لم يجمعوا على ذلك، و خالف بعضهم فيه؛ لكان المفزع فيه إلى هذه الطريقة الّتي ذكرناها، و قد بيّنّا صحّة الاعتماد على هذه الطريقة، و إبطال شبهة من اشتبه عليه ذلك في مواضع من كلامنا، و استقصيناه.
و يمكن أن يستدلّ بمعنى هذه الطريقة بعبارة أخرى، و هو أن نقول: العمل بالخبر لا بدّ من أن يكون تابعا للعلم، فإمّا أن يكون تابعا للعلم بصدق الخبر، أو العلم بوجوب العمل به مع تجويز الكذب، و قد علمنا أنّ خبر الواحد لا يحصل عنده علم بصدقه لا محالة، فلم يبق إلاّ أن يكون العمل به تابعا للعلم بالعبادة بوجوب العمل به، و إذا لم نجد دليلا على وجوب العمل به نفيناه.