نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٤ - الثّامن فصل في ذكر الدّلالة على جواز التعبّد بالعمل بخبر الواحد
و الّذي يدلّ على جواز ورود العبادة بالعمل به أن يبيّن أن خبر الواحد يمكن أن يكون طريقا إلى معرفة الأحكام، و أنّه يجري في جواز كونه دلالة مجرى الأدلّة الشرعيّة كلّها من كتاب و سنّة و إجماع، و إن اختلف وجه دلالته كما اختلف وجوه هذه الأدلّة الشرعيّة و لم تخرج بهذا الاختلاف من كونها أدلّة، و إنّما جاز أن يكون خبر الواحد دلالة بأن يدلّ القرآن أو السنّة على وجوب العمل به إذا كان المخبر به على صفة مخصوصة، ألا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم الشيء بأن يقول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّه حرام» و بين أن يقول: «إذا أخبركم عنّي بتحريمه فلان فحرّموه» و لا فرق بين ذلك، و بين أن يقول: «إذا أخبركم عنّي بتحريمه من صفته كيت و كيت فحرّموه» ؛ لأنّه على الوجوه كلّها يعلم التحريم و إن اختلف.
و ليس لأحد أن يقول: فامنعوا الغلط من الواحد إذا كان الأمر على ما ذكرتم، و ذلك أنّه غير ممتنع أن يجعل الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم قول الواحد دلالة مع جواز الغلط عليه. مثال ذلك أنّه صلى اللّه عليه و آله و سلم لو قال: «إذا أخبركم عنّي أبو ذرّ بشيء، فهو حقّ» ، لكانت الثقة حاصلة عند خبره، و لو قال صلى اللّه عليه و آله و سلم «اعملوا بما يخبركم به فلان، فهو صلاح لكم» ، وجب العمل به، و إن لم يحصل الثقة، و يجري مجرى تعبّد الحاكم بأن يعمل بعلمه، فتحصل له الثّقة، و تعبّده بأن يعمل بالإقرار، فلا تحصل الثّقة، و ان كان الحال إليها أقرب، و تعبّده بأن يعمل بالبيّنة، و هي عن الثقة أبعد من الإقرار.
و ممّا يدلّ أيضا على جواز التعبّد بخبر الواحد أنّ العمل في كثير من العقليّات قد يتبع غلبة الظنّ فما الّذي يمنع عن مثل ذلك في الشرعيّات.
و يدلّ عليه أيضا ورود التعبّد بقبول الشهادات، و الاجتهاد في جهة القبلة، و قبول قول المفتي، و كلّ هذا من باب واحد.