شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٢ - (باب) (المؤمن و علاماته و صفاته)
و المؤمن لا يستقلّ من دينه شيء.
٣٨- عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: المؤمن حسن المعونة، خفيف المئونة، جيد التدبير لمعيشته، لا يلسع من جحر مرّتين.
(١) أى الجبل ينقص و يؤخذ منه بعضه بالفأس و المعول و نحوهما، و المؤمن لا ينقص شيء من دينه بمعول الشبهات نظيره ما روى عنه (ص) «المؤمن كالجبل لا تحركه العواصف» أى هو كالجبل لا تحركه ريح الهوى و لا شهوة المنى.
قوله (المؤمن حسن المعونة خفيف المئونة)
(٢) المعونة يارى دادن. و المئونة رنج و سختى كشيدن و گرانبار بودن، و ذلك لانه رفيق زاهد فبرفقه بخلق اللّه حسنت معونته، و بزهده فى الدنيا خفت مئونته.
(جيد التدبير لمعيشته)
(٣) المعيشة مكسب الانسان الّذي يعيش به و ذلك باختياره طريقا مشروعا غير مذموم عقلا و شرعا و عرفا مقتصرا على قدر الكفاف.
(لا يلسع من جحر مرتين)
(٤) اللسع گزيدن مار و كژدم. و الجحر بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة الساكنة ثقبة الحية أو اليربوع أو الضب و هو استعارة هاهنا أى لا يخدع المؤمن من جهة واحدة مرتين فانه بالاولى يعتبر و مثله رواه مسلم عن النبي (ص) قال الخطابى يروى بضم العين و سكونها فالضم على وجه الخبر و معناه أن المؤمن هو الكيس الحازم الّذي لا يؤتى من جهة الغفلة فيخدع مرة بعد مرة و هو لا يفطن لذلك و لا يشعر به، و المراد به الخداع فى أمر الدين لا أمر الدنيا، و أما الكسر فعلى وجه النهى أى لا يخدعن المؤمن و لا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع فى مكروه أو شر و هو لا يشعر به، و ليكن فطنا حذرا و هذا التأويل يصلح أن يكون لامر الدين و الدنيا معا، و ذكر عياض هذين الوجهين و رجح الخبر بأن سبب قوله (ص) هذا أن أبا قرة الشاعر أخا مصعب بن عمير كان اسر يوم بدر فسأل النبي (ص) أن يمن عليه ففعل و عاهده أن لا يحرض عليه و لا يهجوه فلما لحق بأهله عاد الى ما كان عليه ثم انه اسر يوم احد فسئله أيضا أن يمن عليه فقال (ص) هذا الكلام البليغ الجامع الّذي لم يسبق إليه و فيه تنبيه عظيم على أنه اذا رأى الاذى من جهة لا يعود إليها ثانية. و قال الابى:
رجح الخطابى النهى بعد ذكر الوجهين و كانه لم يبلغه أى الخطابى سبب قوله (ص) هذا الكلام و لو بلغه لم يحمله على النهى و أجاب الطيبى بأنه و ان بلغه السبب فلا يبعد النهى بل هو أولى من الخبر و ذلك أنه لما دعته نفسه (ص) الزكية الكريمة الى الحلم و الصلح جرد من نفسه مؤمنا حازما فطنا و نهاه أن ينخدع لهذا المتمرد الخائن و كان مقام الغضب للّه