شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٢ - (باب) (المؤمن و علاماته و صفاته)
دونهم، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجدّ كان ليثا عاديا، كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتّى يرى اعتذارا، كان يفعل ما يقول و يفعل ما لا يقول، كان إذا ابتزّه أمران لا يدري أيّهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، كان لا يشكوا
نفسه دونهم بشيء من الخيرات بل يريد لهم ما يريد لنفسه. و يكره لهم ما يكره لنفسه.
و وجه تخصيص كان هنا بالعطف خفى فليتأمل.
(كان ضعيفا مستضعفا)
(١) منشأ الاول كثرة الصيام و القيام بالصلاة و سائر العبادات و السهر و خشونة المطعم و الملبس و هجر الملاذ و الشهوات الدنيوية. حتى صار ضعيفا فى بدنه و منشأ الثانى تواضعه للمؤمنين و عدم مجادلته و تغلبه عليهم حتى استضعفوه و عدوه ضعيفا و ان كان قويا فى نفس الامر كما أشار إليه بقوله، (فاذا جاء الجد كان ليثا عاديا)
(٢) الجد الاجتهاد فى الامر و المراد به هنا المحاربة و المجاهدة، و السبع العادى الظالم الّذي يفترس الناس. يعنى ان كان وقت المجاهدة مع أعداء الدين فهو بمنزلة الاسد فى الهيبة و القوة و الصولة و هذا مقتبس من قوله تعالى فى وصف أمير المؤمنين و الائمة من أولاده الطاهرين (عليهم السلام) «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ» و قرء «غاديا» بالغين المعجمة أيضا و انما وصف الاسد به لان الاسد اذا غدى كان جائعا فصولته أشد (كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر فى مثله حتى يرى اعتذارا)
(٣) أى كان من عادته الحسنة أن لا يسرع بملامة أحد اذا قصر فى حقه لامكان أن يكون له عذر، و ليس المقصود اللوم بعد الاعتذار نظيره قولك لا أطلب رزقى حتى يأتينى لانك لم تقصد الطلب بعد اتيانه.
(كان يفعل ما يقول و يفعل ما لا يقول)
(٤) أى كان يفعل كل ما يقول و يأمر به غيره و يفعل ما لا يقوله، و فيه مبالغة لكمال عنايته بالتقرب الى اللّه تعالى، و تلميح الى تشبثه بقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ.
(كان اذا ابتزه أمران لا يدرى أيها أفضل نظر الى أقربهما الى الهوى فخالفه)
(٥) البز و الابتزاز: القهر و الغلبة و أخذ الشيء بجفاء و قهر، و انما خالف ما تهواه النفس و تميل إليه و هو الاخف الاسهل لطلب الاثقل الاشق عليها.
(كان لا يشكو وجعا الا عند من يرجو عنده البرء)
(٦) و هو اللّه تعالى أو غيره أيضا، و ذلك لقوة صبره و احاطة علمه بأن الشكاية عند غيره شكاية من اللّه تعالى، و هذا ليس من دأب العارفين، و أما عند من يرجو البرء عنده فليس بشكاية بل طلب لعلاجه و هو ممدوح عقلا و شرعا. هذا حال الشكاية عن الوجع حال وجوده. و أما الشكاية عند بعد الصحة فقيل تجوز لانها نوع من الشكر. هذا يتم اذا قال مثلا كان بى وجع كذا فمن اللّه على بالصحة. أما لو قال مثلا كان بى وجع هو لم