حاشية فرائد الأصول - تقريرات - اليزدي النجفي، السيد محمد إبراهيم - الصفحة ١٢٠ - الاستدلال بحكم العقل على أصالة البراءة
العدم لأنّه من علم الغيب فلا يعلمه إلّا اللّه و إن كانوا يعلمون منه ما يحتاجون إليه و إذا شاءوا أن يعلموا شيئا علموه [١] انتهى موضع الحاجة فتدبّر.
و ربما يتفطّن هاهنا لورود إشكال على القائل بالبراءة مطلقا حتى في الشبهة الوجوبية بل الموضوعية، و ينبغي للفطن الخبير أن يعرف جوابه مما ذكرنا و سنشير إليه توضيحا.
أما الإشكال فهو أن يقال: إنّ قاعدة البراءة تنافي ما تقرّر من مذهب العدلية في أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد النفس الأمرية، لأنّ قاعدة البراءة إنما تنفي العقاب على الفعل أي العذاب الذي يستحقه العبد بمخالفته للتكاليف المعلومة، و يجوز أن يتحقق ذلك العذاب في الآخرة بعدله تعالى و يجوز أن يعفو عنه بفضله تعالى. و أما المفاسد الكامنة في الشيء الذاتية النفس الأمرية كما في المحرّمات و فوات المصالح الملزمة النفس الأمرية كما في الواجبات التي لا يتوقّف ترتّبها على العلم لأنّها ذاتية لا يتفاوت فيها العلم و الجهل، فلا ريب أنّ العقل لا يأمن منها في موارد الشبهة و يحتملها، فيجب بحكم العقل المستقل دفعها بالعمل بما يكون مأمونا من الوقوع في تلك المفاسد، و لا يكون ذلك إلّا بالاحتياط، نعم لو ثبت في الشرع عدم وجوب الاحتياط في شيء منها بالخصوص علمنا من ذلك أنّ اللّه تعالى يتدارك تلك المفسدة بشيء يعلمه، و أما فيما لم يثبت ذلك فلا مفرّ من الاحتياط بحكم العقل.
فإن قلت: إنما يتم هذا الإشكال على القول بأنّ حسن التكليف تابع لحسن المأمور به و المنهي عنه كما يسند إلى المشهور، و أما على القول بتبعيته لحسن الأمر و النهي كما هو مختار صاحب الفصول فلا يلزم أن يكون نفس
[١] الفوائد الطوسية: ٥١٩- ٥٢٠.