الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٩ - تأريخ الثورة
كان عصرا مشعا بالمثاليات الرفيعة، إذ قام على إنشائه أكبر المنشئين للعصور الإنسانيّة في تأريخ هذا الكوكب على الإطلاق، و ارتقت فيه العقيدة الإلهيّة إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الإلهيّة في دنيا الفلسفة و العلم.
فقد عكس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله روحه في روح ذلك العصر، فتأثر بها و طبع بطابعها الإلهي العظيم، بل فنى الصفوة من المحمّديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتّجاه إلّا نحو المبدع الأعظم الّذي ظهرت و تألقت منه أنوار الوجود، و إليه تسير كما كان استاذهم الأكبر الّذي فنى الوجود المنبسط كلّه بين عينيه ساعة هبوط الرسالة السماوية عليه.
فلم يكن يرى شيئا، و لا يسمع صوتا سوى الصوت الإلهي المنبعث من كلّ صوب و حدب، و في كلّ جهة من جهات الوجود، و ناحية من نواحي الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى:
إنّ عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الإطلاق، و يستوي فيه الحاكم و المحكوم في نظر القانون، و مجالات تنفيذه، و يجعل مدار القيمة المعنوية، و الكرامة المحترمة فيه؛ تقوى اللّه الّتي هي تطهير روحي، و صيانة للضمير، و ارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة، و يحرّم في عرفه احترام الغني، لأنّه غني، و إهانة الفقير، لأنّه فقير.
و لا يفرق فيه بين الأشخاص إلّا بمقدار الطاقة الإنتاجية لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ و يتسارع فيه إلى الجهاد لصالح النوع الإنساني الّذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصيّة في هذه الدنيا، و إخراجها عن حساب الأعمال.
(أقول): إنّ العصر الّذي تجتمع له كلّ هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس و التبجيل، و الإعجاب و التقدير، و لكن ماذا أراني دفعت إلى التوسّع في أمر لم أكن اريد أن أطيل فيه؟ و ليس لي أن أفرط في جنب الموضوع الّذي احاوله بالتوسّع في أمر آخر.