الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩٧ - تأريخ الثورة
و أجودها صقلا للإنسانية، إذ لفظ سيّد البشر نفسه الأخير و طارت روحه إلى الرفيق الأعلى، فكان قاب قوسين أو أدنى.
فهرع الناس إلى بيت النبوّة الّذي كان يشرق بأضوائه لتوديع العهد المحمّدي السعيد، و تشييع النبوّة الّتي كانت مفتاح مجد الامّة و سرّ عظمتها، و اجتمعوا حوله تتقاذفهم شتّى الخواطر، و ترتسم في أفكارهم ذكريات من روعة النبوّة و جلال النبيّ العظيم.
و قد خيل إليهم أنّ هذه السنوات العشر الّتي نعموا فيها برعاية خير الأنبياء، و أبر الآباء كانت حلما لذيذا تمتّعوا به لحظة من زمان، و ازدهرت به الإنسانيّة برهة من حياتها، و هاهم قد أفاقوا على أسوأ ما يستيقظ عليه نائم.
و بينما كان المسلمون في هذه الغمرة الطاغية، و الصمت الرهيب لا ينطق منهم أحد بكلمة، و قد اكتفوا في تأبين الراحل العظيم بالدموع و الحسرات و الخشوع و الذكريات يفاجؤون بصوت يجلجل في الفضاء، و يقطع خيط الصمت الّذي لفّ المجتمعين، و هو يعلن:
أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لم يمت و لا يموت حتّى يظهر دينه على الدين كلّه، و ليرجعنّ فليقطعنّ أيدي رجال و أرجلهم ممّن أرجف بموته، لا أسمع رجلا يقول: مات رسول اللّه إلّا ضربته بسيفي.
و التفت الأنظار إلى مصدر الصوت ليعرفوا القائل، فوجدوا عمر بن الخطّاب، قد وقف خطيبا بين الناس، و هو يجلجل برأيه في شدّة لا تقبل نزاعا، و شاعت الحياة في الناس من جديد، فتكلّموا و تحدّثوا في كلام عمر، و التف بعضهم حوله.
و أكبر الظنّ؛ أنّ قوله وقع من أكثرهم موقع الإستغراب و التكذيب، و حاول جماعة منهم أن يجادلوه في رأيه، و لكنّه بقي شديدا في قوله ثابتا عليه، و الناس يتكاثرون حوله و يتكلّمون في شأنه، و يعجبون لحاله.