الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٦٨ - على مسرح الثورة
تلك هي الحوراء الصدّيقة فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ريحانة النبوّة، و مثال العصمة، و هالة النور المشعّة، و بقيّة الرسول بين المسلمين- في طريقها إلى المسجد- و قد خسرت أبوة هي أزهى الأبوات في تأريخ الإنسان، و أفيضها حنانا، و أكثرها إشفاقا، و أوفرها بركة.
و هذه كارثة من شأنها أن تذيق المصاب بها مرارة الموت، أو أن تظهر له الموت حلوا شهيا، و أملا نيّرا.
و هكذا كانت الزهراء (عليها السلام) حينما لحق أبوها بالرفيق الأعلى، و طارت روحه الفرد إلى جنان ربّها راضية مرضيّة.
ثمّ لم تقف الحوادث المرّة عند هذا الحدّ الرهيب، بل عرضت الزهراء (عليها السلام) لخطب آخر قد لا يقلّ تأثيرا في نفسها الطهور، و إيقادا لحزنها، و إذ كاء لأساها عن الفاجعة الاولى كثيرا، و هو خسارة المجد الّذي سجلته السماء لبيت النبوّة على طول التأريخ.
و أعني بهذا المجد العظيم سيادة الامّة و زعامتها الكبرى، فقد كان من تشريعات السماء أن يسوس آل محمّد صلّى اللّه عليه و اله امّته و شيعته، لأنّهم مشتقاته و مصغراته، و إذا بالتقدير المعاكس يصرف مراكز الزعامة عن أهلها، و مناصب الحكم عن أصحابها، و يرتب لها خلفاء و امراء من عند نفسه.
و بهذا و ذاك خسرت الزهراء (عليها السلام) أقدس النبوّات و الابوّات، و أخلد الرئاسات و الزعامات بين عشية و ضحاها، فبعثتها نفسها المطوقة بآفاق من الحزن و الأسف إلى المعركة و مجالاتها، و مباشرة الثورة و الإستمرار عليها.
و الحقيقة الّتي لا شكّ فيها أنّ أحدا ممّن يوافقها على مبدئها و نهضتها لم يكن ليمكنه أن يقف موقفها، و يستبسل استبسالها في الجهاد إلّا و أن يكون أكلة باردة، و طعمة رخيصة للسلطات الحاكمة الّتي كانت قد بلغت يومذاك أوج الضغط و الشدّة.