الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٣ - ١٧- احتجاج فاطمة الزهراء
و ضمن القلوب موصولها، و أنار في التفكّر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، و من الألسن صفته، و من الأوهام كيفيّته.
إبتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، و أنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها كونها بقدرته، و ذرأها بمشيّته من غير حاجة منه إلى تكوينها، و لا فائدة له في تصويرها، إلّا تثبيتا لحكمته، و تنبيها على طاعته، و إظهارا لقدرته، [و] تعبّدا لبريّته، و إعزازا لدعوته.
ثمّ جعل الثواب على طاعته، و وضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده من نقمته، و حياشة [١] لهم إلى جنّته.
و أشهد أنّ أبي محمّدا صلّى اللّه عليه و اله عبده و رسوله، اختاره قبل أن أرسله، و سمّاه قبل أن اجتباه، و اصطفاه قبل أن ابتعثه.
إذ الخلائق بالغيب مكنونة، و بستر الأهاويل مصونة، و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه تعالى بما يلي الامور، و إحاطة بحوادث الدهور، و معرفة بمواقع الامور.
ابتعثه اللّه إتماما لأمره، و عزيمة على إمضاء حكمه، و إنفاذا لمقادير حتمه، فرآى الامم فرقا في أديانها، عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها.
فأنار اللّه بأبي محمّد صلّى اللّه عليه و اله ظلمها، و كشف عن القلوب بهمها [٢]، و جلى عن الأبصار غممها [٣]، و قام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، و بصرهم من العماية، و هداهم إلى الدين القويم، و دعاهم إلى الطريق المستقيم.
ثمّ قبضه اللّه إليه قبض رأفة و اختيار، و رغبة و إيثار، فمحمّد صلّى اللّه عليه و اله من تعب
[١] حاش الإبل: جمعها و ساقها.
[٢] بهمها: أي مبهماتها، و هي المشكلات من الامور.
[٣] الغمم: جمع غمة و هي: المبهم و الملتبس، و في بعض النسخ: «عماها».