البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٧٣٤ - الزمر آيه ٦٩
يَهَبُهَا صَاحِبُهَا،وَ أُثِيبُهُ عَلَيْهَا،وَ آخُذُ لَهُ بِهَا عِنْدَ الْحِسَابِ،فَتَلاَزَمُوا أَيُّهَا الْخَلاَئِقُ،وَ اطْلُبُوا مَظَالِمَكُمْ عِنْدَ مَنْ ظَلَمَكُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا،وَ أَنَا شَاهِدُكُمْ عَلَيْهَا [١]،وَ كَفَى بِي شَهِيداً.قَالَ:فَيَتَعَارَفُونَ وَ يَتَلازَمُونَ،فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ أَوْ حَقٌّ إِلاَّ لَزِمَهُ بِهَا.
قَالَ:فَيَمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ،فَيَشْتَدُّ حَالُهُمْ،وَ يَكْثُرُ عَرَقُهُمْ،وَ يَشْتَدُّ غَمُّهُمْ،وَ تَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ بِضَجِيجٍ شَدِيدٍ، فَيَتَمَنَّوْنَ الْمَخْلَصَ مِنْهُ بِتَرْكِ مَظَالِمِهِمْ لِأَهْلِهَا،قَالَ:وَ يَطَّلِعُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى جَهْدِهِمْ،فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى،يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ،يَا مَعْشَرَ الْخَلاَئِقِ،أَنْصِتُوا الدَّاعِيَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ اسْتَمِعُوا،إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ لَكُمْ:أَنَا الْوَهَّابُ،إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تُوَاهِبُوا فَتَوَاهَبُوا،وَ إِنْ لَمْ تُوَاهِبُوا أَخَذْتُ لَكُمْ بِمَظَالِمِكُمْ؛قَالَ:
فَيَفْرَحُونَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْدِهِمْ،وَ ضِيقِ مَسْلَكِهِمْ وَ تَزَاحُمِهِمْ،قَالَ:فَيَهَبُ بَعْضُهُمْ مَظَالِمَهُمْ رَجَاءَ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِمَّا هُمْ فِيهِ،وَ يَبْقَى بَعْضُهُمْ،فَيَقُولُ:يَا رَبِّ مَظَالِمُنَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نَهَبَهَا؛قَالَ:فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تِلْقَاءِ الْعَرْشِ:أَيْنَ رِضْوَانُ خَازِنُ الْجِنَانِ،جِنَانِ الْفِرْدَوْسِ،قَالَ:فَيَأْمُرُهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُطْلِعَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ قَصْراً مِنْ فِضَّةٍ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَبْنِيَةِ وَ الْخَدَمِ،قَالَ:فَيُطْلِعُهُ عَلَيْهِمْ فِي حَفَافَةِ الْقَصْرِ [٢] الْوَصَائِفُ وَ الْخَدَمُ،قَالَ:فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى:يَا مَعْشَرَ الْخَلاَئِقِ،ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ،فَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْقَصْرِ،قَالَ:فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ،فَكُلُّهُمْ يَتَمَنَّاهُ،قَالَ:فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى:يَا مَعْشَرَ الْخَلاَئِقِ،هَذَا لِكُلِّ مَنْ عَفَا عَنْ مُؤْمِنٍ،قَالَ:فَيَعْفُونَ كُلُّهُمْ إِلاَّ الْقَلِيلَ،قَالَ:فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:لاَ يَجُوزُ إِلَى جَنَّتِي الْيَوْمَ ظَالِمٌ،وَ لاَ يَجُوزُ إِلَى نَارِي الْيَوْمَ ظَالِمٌ وَ لاَ مَنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى آخُذَهَا مِنْهُ عِنْدَ الْحِسَابِ،أَيُّهَا الْخَلاَئِقُ اسْتَعِدُّوا لِلْحِسَابِ.
قَالَ:ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُمْ،فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى الْعَقَبَةِ،يَكْرُدُ [٣] بَعْضُهُمْ بَعْضاً حَتَّى يَنْتَهُونَ إِلَى الْعَرْصَةِ،وَ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ،قَدْ نُشِرَتِ الدَّوَاوِينُ،وَ نُصِبَتِ الْمَوَازِينُ،وَ أُحْضِرَ النَّبِيُّونَ وَ الشُّهَدَاءُ،وَ هُمُ الْأَئِمَّةُ يَشْهَدُ كُلُّ إِمَامٍ عَلَى أَهْلِ عَالَمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ قَامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ،وَ دَعَاهُمْ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ».
قَالَ:فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ:يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ،إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الرَّجُلِ الْكَافِرِ مَظْلِمَةٌ،أَيْ شَيْءٌ يَأْخُذُ مِنَ الْكَافِرِ،وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟قَالَ:فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«يُطْرَحُ عَنِ الْمُسْلِمِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِقَدْرِ مَا لَهُ عَلَى الْكَافِرِ،وَ يُعَذَّبُ الْكَافِرُ بِهَا مَعَ عَذَابِهِ بِكُفْرِهِ عَذَاباً بِقَدْرِ مَا لِلْمُسْلِمِ قِبَلَهُ مِنَ مَظْلِمَةٍ».
قَالَ:فَقَالَ لَهُ الْقُرَشِيُّ:فَإِذَا كَانَتْ الْمَظْلِمَةُ لِمُسْلِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ،كَيْفَ تُؤْخَذُ مَظْلِمَتُهُ مِنْ مُسْلِمٍ؟قَالَ:«يُؤْخَذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ حَقِّ الْمَظْلُومِ،فَتُزَادُ [٤] عَلَى حَسَنَاتِ الْمَظْلُومِ».
قَالَ:فَقَالَ لَهُ الْقُرَشِيُّ:فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ؟قَالَ:«إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ،فَإِنَّ لِلْمَظْلُومِ سَيِّئَاتٍ،
[١] في المصدر:شاهد لكم عليهم.
[٢] أي جوانبه و أطرافه.
[٣] كردهم:ساقهم و طردهم.«لسان العرب-كرد-٣:٣٧٩».
[٤] في«ج،ي»:فيزداد.