البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦١٣ - الصافّات آيه ٩٩
إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)أَنِّ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا أَصَابَ فِي بِلاَدِهِمْ،وَ قَضَى عَلَى أَصْحَابِ نُمْرُودَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)جَمِيعَ مَا ذَهَبَ مِنْ عُمُرِهِ فِي بِلاَدِهِمْ.فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ نُمْرُودُ،فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُخَلُّوا سَبِيلَهُ،وَ سَبِيلَ مَاشِيَتِهِ وَ مَالِهِ،وَ أَنْ يُخْرِجُوهُ،وَ قَالَ:إِنَّهُ إِنْ بَقِيَ فِي بِلاَدِكُمْ أَفْسَدَ دِينَكُمْ،وَ أَضَرَّ بِآلِهَتِكُمْ.
فَأَخْرَجُوا إِبْرَاهِيمَ وَ لُوطٌ مَعَهُ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا)مِنْ بِلاَدِهِمْ إِلَى الشَّامِ فَخَرَجَ وَ مَعَهُ لُوطٌ لاَ يُفَارِقُهُ،وَ سَارَةُ،وَ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي ذٰاهِبٌ إِلىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ،فَتَحَمَّلَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِمَاشِيَتِهِ وَ مَالِهِ،وَ عَمِلَ تَابُوتاً،وَ جَعَلَ فِيهِ سَارَةَ،وَ شَدَّ عَلَيْهَا الْأَغْلاَقَ غَيْرَةً مِنْهُ عَلَيْهَا،وَ مَضَى حَتَّى خَرَجَ مِنْ سُلْطَانِ نُمْرُودَ،وَ صَارَ إِلَى سُلْطَانِ رَجُلٍ مِنَ الْقِبْطِ،يُقَالُ لَهُ عَرَارَةُ،فَمَرَّ بِعَاشِرٍ [١] لَهُ،فَاعْتَرَضَهُ الْعَاشِرُ لِيَعْشُرَ مَا مَعَهُ،فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْعَاشِرِ وَ مَعَهُ التَّابُوتُ،قَالَ الْعَاشِرُ لِإِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اِفْتَحْ هَذَا التَّابُوتَ حَتَّى نَعْشُرَ مَا فِيهِ.فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):قُلْ مَا شِئْتَ فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ وَ فِضَّةٍ حَتَّى نُعْطَى عُشْرَهُ،وَ لاَ نَفْتَحَهُ.قَالَ:فَأَبَى الْعَاشِرُ إِلاَّ فَتْحَهُ.قَالَ:وَ غَضِبَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
عَلَى فَتْحِهِ،فَلَمَّا بَدَتْ لَهُ سَارَةُ-وَ كَانَتْ مَوْصُوفَةً بِالْحُسْنِ وَ الْجَمَالِ-قَالَ لَهُ الْعَاشِرُ:مَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ؟قَالَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):هِيَ حُرْمَتِي وَ ابْنَةُ خَالَتِي،فَقَالَ لَهُ الْعَاشِرُ:فَمَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ خَبَيْتَهَا فِي هَذَا التَّابُوتِ؟فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):اَلْغَيْرَةُ عَلَيْهَا أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ.فَقَالَ لَهُ الْعَاشِرُ:لَسْتُ أَدَعُكَ تَبْرَحُ حَتَّى أُعْلِمَ الْمَلِكَ حَالَهَا وَ حَالَكَ.
قَالَ:فَبَعَثَ إِلَى الْمَلِكِ رَسُولاً،فَأَعْلَمَهُ،فَبَعَثَ الْمَلِكُ رُسُلاً مِنْ قِبَلِهِ لِيَأْتُوهُ بِالتَّابُوتِ،فَأَتَوْا لِيَذْهَبُوا بِهِ،فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنِّي لَسْتُ أُفَارِقُ التَّابُوتَ حَتَّى تُفَارِقَ رُوحِي جَسَدِي.فَأَخْبَرُوا الْمَلِكَ بِذَلِكَ،فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ أَنْ احْمِلُوهُ وَ التَّابُوتَ مَعَهُ،فَحَمَلُوا إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)وَ التَّابُوتَ،وَ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ،حَتَّى أُدْخِلَ عَلَى الْمَلِكِ،فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ:اِفْتَحِ التَّابُوتَ.فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَيُّهَا الْمَلِكُ،إِنَّ فِيهِ حُرْمَتِي وَ ابْنَةَ خَالَتِي،وَ أَنَا مُفْتَدٍ فَتْحَهُ بِجَمِيعِ مَا مَعِي.قَالَ:فَغَصَبَ الْمَلِكُ إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى فَتْحِهِ،فَلَمَّا رَأَى سَارَةَ لَمْ يَمْلِكْ حِلْمُهُ سَفَهَهُ أَنْ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَأَعْرَضَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِوَجْهِهِ عَنْهَا وَ عَنْهُ غَيْرَةً مِنْهُ،وَ قَالَ:اَللَّهُمَّ احْبِسْ يَدَهُ عَنْ حُرْمَتِي وَ ابْنَةِ خَالَتِي.فَلَمْ تَصِلْ يَدُهُ إِلَيْهَا،وَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ.فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ:إِنَّ إِلَهَكَ هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِي هَذَا؟فَقَالَ:نَعَمْ،إِنَّ إِلَهِي غَيُورٌ يَكْرَهُ الْحَرَامَ، وَ هُوَ الَّذِي حَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ مَا أَرَدْتَ مِنَ الْحَرَامِ.فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ:فَادْعُ إِلَهَكَ يَرُدَّ عَلَيَّ يَدِي،فَإِنْ أَجَابَكَ لَمْ أَعْرِضْ لَهَا.فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِلَهِي رُدَّ عَلَيْهِ يَدَهُ لِيَكُفَّ عَنْ حُرْمَتِي.
قَالَ:فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ يَدَهُ،فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ نَحْوَهَا بِبَصَرِهِ،ثُمَّ عَادَ بِيَدِهِ نَحْوَهَا،فَأَعْرَضَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْهُ بِوَجْهِهِ غَيْرَةَ مِنْهُ،وَ قَالَ:اَللَّهُمَّ احْبِسْ يَدَهُ عَنْهَا.قَالَ:فَيَبِسَتْ يَدُهُ،وَ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهَا.فَقَالَ الْمَلِكُ لِإِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنَّ إِلَهَكَ لَغَيُورٌ،وَ إِنَّكَ لَغَيُورٌ،فَادْعُ إِلَهَكَ يَرُدَّ عَلَيَّ يَدِي،فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ لَمْ أَعُدْ.فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَسْأَلُهُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّكَ إِنْ عُدْتَ لَمْ تَسْأَلْنِي أَنْ أَسْأَلَهُ.فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ:نَعَمْ.فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):
اللَّهُمَّ،إِنْ كَانَ صَادِقاً فَرُدَّ عَلَيْهِ يَدَهُ.فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ يَدُهُ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمَلِكُ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا رَأَى،وَ رَأَى الْآيَةَ فِي يَدِهِ عَظَّمَ إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ هَابَهُ،وَ أَكْرَمَهُ وَ اتَّقَاهُ،
[١] العاشر و العشّار:قابض العشر.«لسان العرب-عشر-٤:٥٧٠».