البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٤٧ - سورة ص آيه ٢٦-١٧
وَ كَانَ التَّابُوتُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ،كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمّٰا تَرَكَ آلُ مُوسىٰ وَ آلُ هٰارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاٰئِكَةُ [١]،وَ قَدْ كَانَ رُفِعَ بَعْدَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى السَّمَاءِ لِمَا عَمِلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْمَعَاصِيَ،فَلَمَّا غَلَبَهُمُ جَالُوتُ،وَ سَأَلُوا النَّبِيَّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَثَ إِلَيْهِمْ طَالُوتَ،وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ التَّابُوتَ،وَ كَانَ التَّابُوتُ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ بَيْنَ أَعْدَائِهِمْ وَ رَجَعَ عَنِ التَّابُوتِ إِنْسَانٌ كَفَرَ وَ قُتِلَ،وَ لاَ يَرْجِعُ أَحَدٌ عَنْهُ إِلاَّ وَ يُقْتَلُ.
فَكَتَبَ دَاوُدُ إِلَى صَاحِبِهِ الَّذِي بَعَثَهُ:أَنْ ضَعِ التَّابُوتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوِّكَ،وَ قَدِّمْ أُورِيَا بْنَ حَنَانٍ بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ.فَقَدَّمَهُ،فَقُتِلَ أُورِيَا،فَلَمَّا قُتِلَ أُورِيَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ،وَ لَمْ يَكُنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةُ أُورِيَا،وَ كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَ دَاوُدُ فِي مِحْرَابِهِ يَوْمَ عِبَادَتِهِ،فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ،وَ قَعَدَا بَيْنَ يَدَيْهِ،فَفَزِعَ دَاوُدُ مِنْهُمَا،فَقَالاَ:لاَ تَخَفْ،خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ،فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لاَ تُشْطِطْ،وَ اهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ،وَ لِدَاوُدَ حِينَئِذٍ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ امْرَأَةً مَا بَيْنَ مَهِيرَةٍ [٢] إِلَى جَارِيَةٍ،فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِدَاوُدَ:إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً،وَ لِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةً،فَقَالَ:أَكْفِلْنِيهَا؛وَ عَزَّنِي فِي الْخِطَابِ.أَيْ ظَلَمَنِي وَ قَهَرَنِي،فَقَالَ دَاوُدُ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَ خَرَّ رٰاكِعاً وَ أَنٰابَ ،قَالَ:فَضَحِكَ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَ قَالَ:
قَدْ حَكَمَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ.فَقَالَ دَاوُدُ:أَ تَضْحَكُ وَ قَدْ عَصَيْتَ!لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَهْشِمَ فَاكَ.قَالَ:فَعَرَجَا،وَ قَالَ الْمَلَكُ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ:لَوْ عَلِمَ دَاوُدُ لَكَانَ أَحَقَّ بِهَشْمِ فِيهِ مِنِّي.فَفَهِمَ دَاوُدُ الْأَمْرَ،وَ ذَكَرَ الْخَطِيئَةَ،فَبَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْماً سَاجِداً يَبْكِي،لَيْلَهُ،وَ نَهَارَهُ،وَ لاَ يَقُومُ إِلاَّ وَقْتَ الصَّلاَةِ،حَتَّى انْخَرَقَ جَبِينُهُ،وَ سَالَ الدَّمُ مِنْ عَيْنَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً،نُودِيَ:يَا دَاوُدُ،مَا لَكَ،أَ جَائِعٌ أَنْتَ فَنُشْبِعَكَ،أَوْ ظَمْآنَ فَنَسْقِيَكَ،أَوْ عُرْيَانٌ فَنَكْسُوَكَ،أَمْ خَائِفٌ فَنُؤْمِنَكَ؟فَقَالَ:أَيْ رَبِّ،وَ كَيْفَ لاَ أَخَافُ وَ قَدْ عَمِلْتُ مَا عَمِلْتُ،وَ أَنْتَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لاَ يَجُوزُكَ ظُلْمُ ظَالِمٍ؟فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:تُبْ،يَا دَاوُدُ.فَقَالَ:أَيْ رَبِّ،وَ أَنَّى لِي بِالتَّوْبَةِ؟قَالَ:صِرْ إِلَى قَبْرِ أُورِيَا حَتَّى أَبْعَثَهُ إِلَيْكَ،وَ اسْأَلْهُ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ،فَإِنْ غَفَرَ لَكَ غَفَرْتُ لَكَ.قَالَ:يَا رَبِّ،فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟قَالَ:أَسْتَوْهِبُكَ مِنْهُ.
قَالَ:فَخَرَجَ دَاوُدُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ،وَ كَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ لاَ يَبْقَى حَجَرٌ،وَ لاَ شَجَلرَ،وَ لاَ جَبَلٌ،وَ لاَ طَائِرٌ،وَ لاَ سَبُعٌ إِلاَّ يُجَاوِبُهُ،حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَبَلٍ،فَإِذَا عَلَيْهِ نَبِيٌّ عَابِدٌ،يُقَالُ لَهُ حِزْقِيلُ،فَلَمَّا سَمِعَ دَوِيَّ الْجِبَالِ،وَ أَصْوَاتَ السِّبَاعِ عَلِمَ أَنَّهُ دَاوُدُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَقَالَ:هَذَا النَّبِيُّ الْخَاطِئُ.فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ:يَا حِزْقِيلُ،أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَصْعَدَ إِلَيْكَ؟قَالَ:لاَ،فَإِنَّكَ مُذْنِبٌ.فَبَكَى دَاوُدُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى حِزْقِيلَ:يَا حِزْقِيلُ،لاَ تُعَيِّرْ دَاوُدَ بِخَطِيئَتِهِ،وَ سَلْنِي الْعَافِيَةَ.فَنَزَلَ حِزْقِيلُ،وَ أَخَذَ بِيَدِ دَاوُدَ فَأَصْعَدَهُ إِلَيْهِ،فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ:يَا حِزْقِيلُ،هَلْ هَمَمْتَ بِخَطِيئَةٍ قَطُّ؟قَالَ:لاَ.قَالَ:فَهَلْ دَخَلَكَ الْعُجْبُ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ؟قَالَ:لاَ.قَالَ:فَهَلْ رَكَنْتَ إِلَى الدُّنْيَا فَأَحْبَبْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا؟قَالَ:بَلَى،رُبَّمَا عَرَضَ ذَلِكَ بِقَلْبِي.قَالَ:فَمَا تَصْنَعُ؟قَالَ:أَدْخُلُ هَذَا
[١] البقرة ٢:٢٤٨.
[٢] المهيرة:الحرّة.«الصحاح-مهر-٢:٨٢١».