البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٢٠ - الصافّات آيه ١١٣-١٠٠
فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَتْلِ ابْنِكَ.قَالَ:كَيْفَ أُعْذِرُ-يَا بُنَيَّةِ-فَإِنَّكِ مُبَارَكَةٌ.قَالَتْ:اِعْمِدْ إِلَى تِلْكَ السَّوَائِمِ الَّتِي لَكَ فِي الْحَرَمِ،فَاضْرِبْ بِالْقِدَاحِ عَلَى ابْنِكَ وَ عَلَى الْإِبِلِ،وَ أَعْطِ رَبَّكَ حَتَّى يَرْضَى.فَبَعَثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى إِبِلِهِ فَأَحْضَرَهَا،وَ عَزَلَ مِنْهَا عَشْراً،وَ ضَرَبَ بِالسِّهَامِ،فَخَرَجَ سَهْمُ عَبْدِ اللَّهِ،فَمَا زَالَ يَزِيدُ عَشْراً عَشْراً حَتَّى بَلَغَتْ مِائَةً، فَضَرَبَ فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى الْإِبِلِ فَكَبَّرَتْ قُرَيْشٌ تَكْبِيرَةً ارْتَجَّتْ لَهَا جِبَالُ تِهَامَةَ،فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:لاَ،حَتَّى أَضْرِبَ بِالْقِدَاحِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ،فَضَرَبَ ثَلاَثاً،كُلَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ السَّهْمُ عَلَى الْإِبِلِ.فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ اجْتَذَبَهُ الزُّبَيْرُ،وَ أَبُو طَالِبٍ،وَ إِخْوَانُهُمَا [١] مِنْ تَحْتِ رِجْلَيْهِ،فَحَمَلُوهُ وَ قَدِ انْسَلَخَتْ جِلْدَةُ خَدِّهِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْأَرْضِ،وَ أَقْبَلُوا يَرْفَعُونَهُ، وَ يُقَبِّلُونَهُ،وَ يَمْسَحُونَ عَنْهُ التُّرَابَ،وَ أَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تُنْحَرَ الْإِبِلُ بِالْحَزْوَرَةِ [٢]،وَ لاَ يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْهَا،وَ كَانَتْ مِائَةً.
وَ كَانَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَمْسٌ مِنَ السُّنَنِ،أَجْرَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْإِسْلاَمِ:حَرَّمَ نِسَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ،وَ سَنَّ الدِّيَةَ فِي الْقَتْلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ،وَ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ،وَ وَجَدَ كَنْزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسَ،وَ سَمَّى زَمْزَمَ حِينَ حَفَرَهَا سِقَايَةَ الْحَاجِّ.وَ لَوْ لاَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ حُجَّةً،وَ أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى ذَبْحِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ شَبِيهٌ بِعَزْمِ إِبْرَاهِيمَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَلَى ذَبْحِ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،لَمَا افْتَخَرَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِالاِنْتِسَابِ إِلَيْهِمَا لِأَجْلِ أَنَّهُمَا الذَّبِيحَانِ،فِي قَوْلِهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ.
وَ الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا دَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الذَّبْحَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ هِيَ الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا دَفَعَ الذَّبْحَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَ هِيَ كَوْنُ النَّبِيِّ وَ الْأَئِمَّةِ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)فِي صُلْبِهِمَا،فَبِبَرَكَةِ النَّبِيِّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ الْأَئِمَّةِ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)دَفَعَ اللَّهُ الذَّبْحَ عَنْهُمَا،فَلَمْ تَجْرِ السُّنَّةُ فِي النَّاسِ بِقَتْلِ أَوْلاَدِهِمْ،وَ لَوْ لاَ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ كُلَّ أَضْحًى التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَتْلِ أَوْلاَدِهِمْ،وَ كُلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ النَّاسَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أُضْحِيَّةٍ فَهُوَ فِدَاءٌ لِإِسْمَاعِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَابَوَيْهِ:اِخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الذَّبِيحِ:فَمِنْهَا مَا وَرَدَ بِأَنَّهُ إِسْحَاقُ،وَ مِنْهَا مَا وَرَدَ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ لاَ سَبِيلَ إِلَى رَدِّ الْأَخْبَارِ الَّتِي [٣] صَحَّ طُرُقُهَا،وَ كَانَ الذَّبِيحُ إِسْمَاعِيلَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،لَكِنَّ إِسْحَاقَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)لَمَّا وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي أُمِرَ أَبُوهُ بِذَبْحِهِ،فَكَانَ يَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ يُسَلِّمُ لَهُ كَصَبْرِ أَخِيهِ وَ تَسْلِيمِهِ،فَيَنَالُ بِذَلِكَ دَرَجَتَهُ فِي الثَّوَابِ،فَعَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ فَسَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَيْنَ الْمَلاَئِكَةِ ذَبِيحاً لِتَمَنِّيهِ لِذَلِكَ.وَ قَدْ أَخْرَجْتُ الْخَبَرَ فِي ذَلِكَ مُسْنَداً فِي كِتَابِ(النُّبُوَّةِ).
/٩٠١٧ _٩-و
عَنْهُ،فِي كِتَابِ(الْخِصَالِ):حَدَّثَنِي بِذَلِكَ-إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ-مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبِشَارِيُّ الْقَزْوِينِيُّ(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)،قَالَ:حَدَّثَنَا الْمُظَفَّرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَزْوِينِيُّ،قَالَ:حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ الْأَسَدِيُّ،عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاهِرٍ،عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ،عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ،عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
[١] في المصدر:و إخوانه.
[٢] كانت الحمورة سوق مكّة،فدخلت في المسجد لمّا زيد فيه.«معجم البلدان ٢:٢٥٥».
[٣] في المصدر:متى.